الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري
عندما تقترب شمس شهر ذي الحجة من الإشراق تتوجه أنظار المسلمين نحو بقعة واحدة على وجه الأرض (مكة المكرمة) هناك، حيث تتلاشى الفوارق الطبقية واللغوية تحت رداء أبيض واحد تقف المملكة العربية السعودية أمام استحقاقها السنوي الأكبر إدارة الحج حيث العملية التنظيمية للحشود المليونية في مساحة جغرافية محدودة وخلال أيام معدودة و تتناغم فيها جهود الدولة مع نبض المجتمع وتندمج فيها أحدث تقنيات العصر مع أعمق التقاليد العربية أصالة
وهنا نرى إرادة القيادة و هندسة الرعاية من القمة فعندما تبدأ قصة الحج كل عام بتوجيهات مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الذي يحمل لقبه دلالة عميقة تتجاوز الملكية إلى الخدمة كأسمى شرف في الحياة هذه الرعاية تتجسد في تسخير كافة مقدرات الدولة لضمان راحة ضيوف الرحمن فالقيادة السعودية لا تتعامل مع الحج كحدث موسمي بل كمشروع مستدام يخضع للتطوير المستمر ضمن رؤية 2030 من توسعة الحرمين الشريفين التي تُعد الأضخم في التاريخ إلى قطار المشاعر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإدارة الحشود وتهيئة مئات المستشفيات والمراكز الصحية المتنقلة التي تقدم رعاية طبية مجانية بالكامل للجميع بما في ذلك العمليات الجراحية المعقدة كالقلب المفتوح
حتى المؤسسات لا تعرف التوقف و النجاح المبهر لموسم الحج هو نتاج عمل مؤسسي متكامل تعمل فيه الوزارات كجسد واحد
(وزارة الداخلية) لا تقتصر مهمتها على حفظ الأمن بل يرى العالم سنوياً صوراً إنسانية لرجال الأمن وهم يرشون رذاذ الماء البارد على وجوه الحجاج أو يحملون كبار السن في مشهد يمزج بين الحزم الأمني والرحمة الإنسانية
_(وزارة الحج والعمرة)المايسترو الذي ينظم قدوم الحجاج من لحظة التفكير في أداء الفريضة عبر منصات رقمية متطورة وحتى لحظة الوداع
_(وزارة الصحة) درع وقائي وعلاجي يتصدى لتحديات تجمع بشري هائل عبر آلاف الكوادر الطبية المستنفرة على مدار الساعة ، و ما يُميز تجربة الحج في السعودية ليس فقط البنية التحتية الجبارة، بل ذلك الرابط الوثيق بين ما تقدمه الدولة اليوم وما توارثه سكان الجزيرة العربية منذ قرون.
تاريخياً، عُرف أهل مكة بوظيفتي (السقاية والرفادة) توفير الماء والطعام للحجاج ، اليوم لم تندثر هذه العادات بل أخذت طابعاً مؤسسياً ومجتمعياً حديثاً ، إن استقبال الضيف وإكرامه هو حجر الزاوية في الثقافة السعودية ، بالنسبة للسعوديين الحاج هو (ضيف الله) الذي حل في دارهم وخدمته هي شرف تتوارثه الأجيال ومصدر فخر اجتماعي لا يُضاهى أبدا.
خلف الكواليس الرسمية، ينبض المجتمع السعودي بحيوية مدهشة خلال موسم الحج حيث يتسابق الأفراد والجمعيات الخيرية لتقديم الدعم بطرق تعكس عمق التكافل الاجتماعي مثلا (التطوع الشبابي)حيث يقف آلاف الشبان والفتيات السعوديين في ساحات الحرم والمشاعر المقدسة يوجهون التائهين ويوزعون المظلات الواقية من الشمس ويدفعون الكراسي المتحركة للعاجزين بابتسامة لا تفارق وجوههم .
و المبادرات الفردية في شوارع مكة والمدينة من المعتاد أن ترى الأهالي يوزعون التمور والماء المبرد والوجبات الساخنة على الحجاج المارين في مشاهد عفوية لا تنتظر كاميرات الإعلام لتسجيلها
حتى (الأوقاف الخيرية) التي تخصص عوائدها السنوية لخدمة الحجاج وتوفير سبل الراحة لهم في استمرار لعادة مكّية قديمة تضمن عدم بقاء حاج واحد جائعاً أو محتاجا .
خلاصة القول في بلاد الحرمين
إن نجاح المملكة العربية السعودية في إدارة الحج عاماً بعد عام هو رسالة للعالم أجمع بأن هذا البلد الأمين قادر على تطويع أحدث تقنيات الإدارة والأمن والتكنولوجيا دون أن يفقد روحه وثقافته ، فالحج في السعودية هو رحلة يرى فيها الزائر كيف تتحول أجهزة الدولة إلى خلايا نحل لخدمته وكيف ينعكس الكرم العربي الأصيل في عيون المتطوعين ورجال الأمن والمواطنين العاديين إنها لوحة فريدة تُثبت أن التطور التنظيمي الهائل يمكن أن يسير يداً بيد مع أعمق التقاليد الإنسانية النبيلة