من قمم لبنان إلى أسوار القدس ، روحٌ  وتاريخٌ يأبى النسيان

من قمم لبنان إلى أسوار القدس ، روحٌ  وتاريخٌ يأبى النسيان

  • السبت 16 مايو 2026
  • 07:09 AM

 

الملتقى /  حسن الطفيلي 


و أنا أقف على شاطئ الناقورة من لبنان  أشتم عليل فلسطين ذهبت مخيلتي مع موسيقى الإنتماء  ​فمن ألحانِ الأوتارِ العتيقةِ إلى صدى البنادقِ الشامخة ، ومن قممِ لبنانَ إلى أسوارِ القُدس ،  روحٌ واحدةٌ سكنتْ بلدين نتوارثُ العهدَ ونحمي الأرض ونكتبُ بالقاني ملحمةَ البقاء .

​بهذه الكلمات التي تختزل آلاف السنين من الوفاء للوطن ، يمكننا أن نقرأ قصة التلاحم الاستثنائي بين لبنان وفلسطين  وحين تتسابق الجغرافيا لرسم الحدود  تقف الثقافة والتاريخ وجذور الأرض لتمحو كل خطٍّ وهميّ يحاول الفصل بين شعبين تشاركا كل شيء  من قطرة الندى الأولى على أوراق الزيتون  إلى شموخ الأرز في وجه العواصف
إن العلاقة بين اللبناني والفلسطيني تتخطى انها  مجرد جوار (جيو-سياسي ) هي امتداد حضاري وإنساني ، وعناق أبدي بين هويتين انصهرتا في بوتقة وحدة المصير لتشكلا نسيجاً لا يقبل التمزق .

 و البحر والمرافئ  حيث حكاية الأمواج المتعانقة ف​إذا وقفت على شواطئ صور أو صيدا في الجنوب اللبناني ، وأرهفت السمع ستخبرك الأمواج أنها للتو كانت تعانق رمال عكا وحيفا ويافا  حيث كان البحر الأبيض المتوسط ولا يزال شرياناً نابضاً يربط مرافئ البلدين فتاريخياً  تعدت هذه المرافئ انها مجرد محطات للتجارة وصيد الأسماك لتكون أبواباً مشرعة لتبادل الثقافة والفكر و التراث  فالصياد اللبناني الذي يغزل شباكه على إيقاع أمواج المتوسط يشاطر أخاه الفلسطيني نفس الحكايات ، ونفس الأغاني البحرية ، ونفس الصبر في انتظار الرزق ولا يخفى علينا أن البيئة والزراعة اللبنانية الفلسطينية هي  متشابكة  في عمق الأرض فرائحة التراب بعد الشتوة الأولى في جبال الجنوب اللبناني لا تفترق عن تلك التي تفوح من تلال الجليل والكرمل وكأن الهواء يلفظ الحب بين لبنان و فلسطين  ، كما و تشترك البيئة الجغرافية في البلدين بتضاريسها الساحرة ومناخها المتوسطي مما خلق ارتباطاً فلاحياً مقدساً بالأرض  ففلاحي لبنان وفلسطين يتشاركون ذات المواسم قطاف الزيتون الذي يتحول إلى عرس وطني وعائلي، ومواسم الحمضيات التي عطّرت يافا وطرابلس حتى  إن (المصاطب) الزراعية المدرجة التي تحمي التربة في جبال البلدين هي شاهد حي على جهد الأجداد المتشابه حيث الفأس ذاتها والعرق ذاته وحب البقاء الذي يجعل من الغرس فعل مقاومة وتأصل وطني .

واذا أبحرنا في أعماق ​التراث والتقاليد نجد انها  مرآة في هوية مشتركة
​تتجسد فيها الروح الواحدة في أبهى صورها فعندما نتأمل العادات والتقاليد في الأفراح  تضرب الأقدام الأرض في حلقات ( الدبكة ) اللبنانية والفلسطينية بإيقاع واحد يعبر عن العنفوان والتكاتف و  الأهازيج المرافقة للزفة  و المواويل والعتابا والميجانا ، هي لغة مشتركة تفهمها القلوب قبل الآذان حتى في منظومة القيم الاجتماعية  تبرز الشهامة وإكرام الضيف وتقديس الروابط العائلية واحترام كبار السن  كركائز أساسية في تربية الأجيال وفي أوقات المحن تبرز قيمة (العونة) وهي التكافل و (التعاضد المجتمعي) حيث يهب الجار لنجدة جاره كما انها ايضا  قيمة صقلتها سنوات طويلة من النضال المشترك والصمود في وجه التحديات .

​​لا يمكن الحديث عن الاندماج الثقافي دون التوقف عند المائدة التي تُعد السفير الأصدق للتراث ،  فالمطبخ اللبناني والفلسطيني يتقاطعان في تفاصيل لا حصر لها  فزيت الزيتون البكر هو سيد المائدة والزعتر البلدي هو فطور الأجيال وصانع ذاكرتهم و من أطباق الحمص والمتبل إلى التبولة والفتوش وصولاً إلى الكبة بأشكالها المختلفة، تعكس المائدة  طابعاً زراعياً غنياً يجسد كرم الأرض وعطاءها هذا التشابه ليس صدفة بل هو نتيجة تبادل ثقافي وزراعي امتد لقرون حيث العائلة تجتمع حول (طبلية) واحدة تتقاسم رغيف الخبز المخبوز على الصاج أو في (الطابون).

​و في ختام رحلتنا أكتب للتاريخ  
​إن قصة لبنان وفلسطين هي أبعد من أن تُختزل في مقال هي قصة أمهات يُرضعن أطفالهن حب الأرض مع الحليب وقصة رجال يحرسون شجر الزيتون والأرز بأهداب العيون رغم كل المآسي والحروب ومحاولات طمس الهوية يبقى الاندماج الثقافي والاجتماعي بين البلدين حقيقة راسخة تتحدى الزمن و ستبقى الأوتار العتيقة تعزف لحن العودة والبقاء وستبقى البنادق الشامخة تحرس هذا الإرث ليثبت الشعبان للكون  أن الأرض لمن يزرعها ولمن يصونها، ولمن يحبها إلى الأبد و أن البيوت ستبقى مفاتيحها محروسة بأيدي حماة الوطن تتوارثها جيلا بعد جيل

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي