"أنا ومن بعدي الطوفان"

  • الأربعاء 13 مايو 2026
  • 09:12 PM

الملتقى / شيخه الدريبي 

السعودية الشرقية 
 

يُعد تعبير "أنا ومن بعدي الطوفان" من العبارات التي تثير جدلاً واسعاً في فلسفة الأخلاق فهي تمثل ذروة الأنانية في نظر البعض بينما يراها آخرون انعكاساً لحالة من اليأس أو الانغلاق على الذات كما ​إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يحققه لنفسه فحسب بل بالأثر الذي يتركه وراءه ومع ذلك تبرز أحياناً عقلية "أنا ومن بعدي الطوفان" كشعار لرؤية ضيقة للحياة تنتهي بانتهاء مصلحةالفرد الشخصية دون اعتبار لما سيصل إليه حال الآخرين و​تعتمد هذه المقولة على تقديم "الأنا" وتضخيمها إلى الحد الذي يلغي وجود الآخرين في هذه الحالة يصبح العالم مجرد مسرح لخدمة رغبات الفرد وتتحول المسؤوليه الاجتماعية إلى عبئ ثقيل إنها عقليةالاستهلاك السريع وتندثر قيم العطاء فهناك ​آثار أجتماعية مترتبة في مجتمع ما تظهر بوادر التفكك ​عندما يتفشى هذا الفكر في ​غياب القدوة فيفقد المجتمع الرموز التي تعمل لأهداف سامية فتتجاوز الذات وتصبح العلاقات قائمة على المصالح فقط مما يضعف الروابط الإنسانية فالإنسان الذي يعيش لنفسه فقط تنتهي ذكراه بمجرد رحيله لأن ( الطوفان ) الذي تمنى وقوعه لغيره سيبدأ فعلياً بطمس تاريخه هو أولاً فنجد أن الحضارات لم تُبنَى إلا بسواعد أولئك الذين زرعوا شجراً فلم يأكلوا من ثمره وبنوا صروحاً لم يسكنوها. إن الوعي  بـالمسؤولية الجماعية هو الضمان الوحيد لاستمرار الرخاء.​فالإنسان السوي يدرك أن جودة حياته مرتبطة بجودة المحيط الذي يعيش فيه وإن الحياة ليست مجرد رحلة فردية خاطفة بل هي سلسلة من التفاعلات والأثر المتبادل ومن يختار أن يعيش لنفسه فقط فإنه يحكم على إرثه بالزوال فالعظمة الحقيقية تكمن في أن تترك خلفك نهراً جارياً من الخير لا طوفاناً يغرق من بعدك .. 

كما أن الظلال النفسي والمعنوي والعقلي لما بعد الطوفان عندما نغوص في أعماق النفس البشرية التي تتبنى هذا الشعار نجد أنها لا تتحرك من فراغ بل هي نتيجة لتراكمات نفسية ومعنوية تشكل رؤيتها للوجود فالانغلاق النرجسي وفقدان الاتصال ​من الناحية النفسية تُصنف هذه العقلية كنوع من (النرجسية الدفاعية) يرى الشخص هنا نفسه كمركز للكون ليس حباً في ذاته بل دفاع ضد شعوره بعدم الأمان فمن خلال قول (أنا ومن بعدي الطوفان) يحاول الفرد حماية مكتسباته اللحظية لأنه يفتقر إلى الايمان بالاستمرارية و​القدرة على التعاطف هي المحرك الأساسي للعطاء والمصابون بعقدة الطوفان يعانون من انخفاض في الذكاء الوجداني حيث يعجزون عن تخيل مشاعر وآلام الأجيال القادمة أو حتى المحيطين بهم. بالنسبة لهم المستقبل هو فراغ لا يستحق الاستثمار فيه مما يجعل حياتهم المعنوية فقيرة خالية من لذة الإيثار.و​المعنى الحقيقي للحياة ينبع من قدرة الإنسان على مد أثره إلى ما بعد رحيله الجسدي و​الإنسان البناء يجد عزاءه في أن أفكاره وأعماله ستستمر ..

كما إن ​إنسان الطوفان يعيش صراعاً مريراً مع فكرة الموت فبما أنه لا يؤمن بأثر يتركه يصبح الموت بالنسبة له نهاية العالم حرفياً فيحاول استنزاف كل شيء قبل رحيله ف​معنوياً يعيش صاحب هذا الفكر في ( سجن الذات ) فبالرغم من مظهر القوة واللامبالاة إلا أن غياب الهدف السامي يجعل النفس عرضة للقلق الدائم والاكتئاب وإن لذة الأخذ مؤقتة وتنتهي سريعاً بينما لذة العطاء هي التي تمنح النفس طمأنينة ومعنىً يتجاوز حدود الزمن وإن التحرر من عقلية الطوفان ليس مجرد تنازل عن مصلحة شخصية بل هو تحرر للنفس من ضيق الأنانية إلى سعة الوجود فالمعنى الحقيقي للقوة النفسية يكمن في القدرة على بناء جسور يعبرها الآخرون حتى لو لم يطأها صاحب الجسر بنفسه وأن ضغوطات الحياة هي التي تدفع الناس نحو هذه العقلية ..

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي