الزي العربي _أثوابٌ تنسجُ ذاكرة الأمم  

الزي العربي _أثوابٌ تنسجُ ذاكرة الأمم  

  • السبت 02 مايو 2026
  • 12:52 PM

 

الملتقى /  حسن الطفيلي 


​و أنا اتمعن  زحمة العولمة التي توحد قوالب البشر وتطمس معالم الفرادة أجد أن المشهد يخلد الرداء أكثر من مجرد قماشٍ يستر الجسد ، إنه وثيقةٌ تاريخيةٌ غير مكتوبة ، وقصيدةٌ بليغةٌ تُتلى بلغة الحرير والقطن وصوف الغنم. 

في الوطن العربي، حيث تتآلف الصحراء مع البحر وتتحدث الجبال مع السهول  لا يُخاط الزي بإبرةٍ وخيط ، بل يغزل من خيوط الشمس ، ويُصبغ بأنامل الفلاحين ، ويُطرزُ بحكايات الأمهات ، فالزي التراثي العربي هو خريطةٌ جغرافيةٌ وثقافية و كل غرزةٍ فيها تدل على حضارة ، وكل ثنيةٍ فيها تروي ملحمة ، و سأقسمها لكم بأسلوبي 

_​البيداءُ واللؤلؤ _ كبرياءُ الخليج العربي
​حين تيمم وجهك شطر شبه الجزيرة العربية ، تستقبلك الأثواب بامتدادها الذي يحاكي رحابة الصحراء وصفاءها ،  هناك يعكس الزي فلسفة البقاء والوقار في آنٍ واحد ف​الدشداشة (أو الكندورة) في دول الخليج حيث يرتدي الرجل هذا الثوب الأبيض الناصع الذي ينسدل كشلال نور ليصدّ قسوة الشمس ، معبراً عن الطهر والبساطة ، أما ​البشت وهو عباءة الرجولة والوجاهة ، يُصنع من وبر الإبل أو الصوف ، وتُطرز حوافه بخيوط الذهب والفضة (الزري) و لا يرتدى البشت إلا في لحظات التتويج والفرح ، ليكون تاجاً من القماش يكلل هامة الرجل العربي أما (​الدَرّاعة والعباءة)  للمرأة الخليجية ، فتتلفع بعباءتها السوداء التي تشبه ليل الصحراء المرصع بالنجوم ، أو ترتدي الدَرّاعة المطرزة بألوانٍ تسرق من الطواويس بهائها لتكون لوحة متحركةً تمزج بين الحشمة والأنوثة الباذخة.

_​حفيفُ الزيتون وشموخ الجبال _ فسيفساءُ لبنان و فلسطين و سوريه
حيث نجد أن الطبيعة الجبلية والزراعية قد طبعت بصمتها على النول  فجاءت الأزياء تعكس خصوبة الأرض وعنفوان جبالها،و​الثوب الفلسطيني هو سجلٌ مدنيٌّ مطرز بخيوطٍ حمراء قانئة ، ترسم المرأة الفلسطينية على صدر ثوبها أسماء القرى  وأوراق الزيتون ونجوم السماء ، كل غرزة (تصليبة) هي إعلانُ انتماءٍ للأرض وشهادةُ ميلادٍ تأبى النسيان ، و​ (القمباز والشروال) في لبنان و سوريا والأردن ، يعكس الشروال الفضفاض، الذي يضيق عند الساقين، خفة الحركة التي يتطلبها العمل في الجبال الوعرة وفوقه يُرتدى القمباز (أو الصدرية) مشدوداً بـ الشملة (الحزام العريض) الذي يلف الخصر ليعكس صلابة الفلاح الشهم القوي واعتداده بنفسه.

​أنفاسُ النيل العظيم سحرُ مصر والسودان
​وعلى ضفاف النيل حيث يتهادى النهر في مسيرته الأبدية تتخذ الأزياء شكل هذا التدفق فتبدو سلسة مرنة  وعميقة الجذور كطمي النيل ، ف (​الجلابية المصرية) في صعيد مصر وريفها ، تقف  كشاهدٍ على علاقة الإنسان بالأرض وهي واسعةٌ لتسمح لنسيم النيل باختراقها وبسيطة لتعبر عن روح الفلاح المصري المتجذرة في الطين و الأرض ، أما ​( الثوب السوداني )  ففي السودان تتجلى قمة الأناقة في الثوب السوداني للمرأة وهو قطعة قماشٍ طويلة تلتف بها المرأة ببراعةٍ وإيقاع كأنها فراشةٌ تتطوى في شرنقةٍ من الألوان الزاهية ، إنه ثوب يعكس خفر المرأة السودانية، وتمايلها الرقيق مع أنغام ( السلم الخماسي ) العريق

_​أصداءُ الأندلس وعبقُ الأمازيغ _سحرُ المغرب العربي حيث تلتقي روافد التاريخ في مصبٍ واحد فاندماج حضارة الأندلس الراقية مع أصالة الجبال الأمازيغية أنتجت زياً هو أقرب ما يكون إلى اللوحات الفنية السريالية
(​القفطان المغربي)سفير الأناقة العربية إلى العالم بتطريزاته الحريرية وعقده اليدوية (السفيفة)  وأقمشته المخملية يقف القفطان كتحفة معماريةٍ تُلبس ، إنه لا يعكس فقط ذوقاً رفيعا بل يختزل تاريخا من الترف الأندلسي الذي استقر في حواضر المغرب
(​الجلابة والبرنوس)وفي شوارع المدن العتيقة في المغرب والجزائر وتونس تبرز الجلابة بـ (القب) (غطاء الرأس المتصل بها) كدرعٍ يقاوم برد الشتاء وصقيع الجبال  بينما يُلقي الرجل بـ(البرنوس) على كتفيه ليمنحه هيبة الفرسان الذين عبروا تلك البقاع منذ فجر التاريخ.

(​الكاراكو الجزائري والجبّة التونسية)لا تكتمل اللوحة دون ذكر الكاراكو العاصمي الجزائري المخملي المطرز بالذهب ، أو الجبة التونسية التي تعكس براعة الصناعة اليدوية ودقة التصميم 

​و مع انتهاء الخيوط في مخيلتي لا يسعني إلا أن أقول ​إن أزياءنا العربية هي قصيدةُ ألوانٍ تُتلى على قيثارة الجغرافيا  و لغةٌ صامتة تتحدث بلسان الأجداد و هي ذاكرةُ الأمة المنسوجة بعناية ، تقفُ صامدةً أمام طوفان الحداثة الباردة ففي كل مرةٍ ترتدي فيها عربيةٌ ثوبها المطرز ، أو يلقي فيها عربي بعباءته على كتفيه، فإنهما يرتديان وطنا وتاريخا وهوية  تأبى أن تذوب

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي