الملتقى / حسن الطفيلي
بعد الحديث عن فسيفسائية الوطن العربي في لوحة التكامل الجغرافي البهي ننتقل لقراءةٍ متأنية لخريطة الوطن العربي ، لنكتشف أن الحدود الجغرافية التي رسمتها السياسة الحديثة تتلاشى تماماً أمام حبر الأنساب الممتد عبر آلاف السنين ، فالعالم العربي كما إنه رقعة من الأرض تتحدث لغة واحدة فهو أيضا شجرة وارفة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ ، متصلةً بالحضارات الأولى من بابل وكنعان وفينيقيا، وصولاً إلى اللحظة الراهنة.
هذا الامتداد البشري لا يمكننا أن نقف على أنه تسلسل بيولوجي ، لأنه انتقال مستمر لروح حضارية تأبى الانقطاع إلى فناء الكوكب ، فخيوط الدم الممتدة عبر الخرائط تبين لنا إن المشهد الأكثر إثارة للدهشة في الهوية العربية هو ذلك التوزيع الجغرافي للعائلات ، فالمتأمل في التكوين العشائري والقبلي يدرك حقيقة راسخة وهي أن كل مكوّن اجتماعي هو فرع من أصل و أصل من فرع فمن المألوف، بل من صميم تركيبتنا الديموغرافية، أن تجد نفس القبيلة، أو العشيرة، أو حتى العائلة، ممتدة من سهول بلاد الشام إلى صحارى الجزيرة العربية، ومن ضفاف الرافدين إلى جبال المغرب العربي. هذا الانتشار على مر الزمن أشبه بنثر البذور في أرض خصبة، حيث نبت كل _ فرع _ ليصبح أصلاً جديداً يحمل الجينوم الثقافي ذاته ، ويؤسس لامتداد عائلي جديد يعتز بانتمائه الأول و لنبحر بسحر الاختلاف في وحدة الانتماء
لنجد هذا الانتشار الجغرافي الواسع و التضاريس والبيئات المختلفة هبةً ثقافية بالغة الجمال ، فهذه العائلات التي تشترك في الجد والدم، تفرّدت باختلافات ساحرة في تفاصيل يومياتها حيث يتجلى هذا السحر أولاً في _ اللكنة _ تلك الموسيقى اللغوية التي تختلف باختلاف الهواء والماء ، فالكلمة الواحدة تخرج من حنجرة العربي في الخليج برنين مهيب، وتنساب من لسان الشامي بنعومة وانسيابية، وتُنطق في مصر بخفة وروح مرحة، وتتزين في المغرب العربي بعمق وإيقاع فريد.
اختلاف اللكنات هذا لا يفسد للغة وداً، بل يجعل من المحادثة سيمفونية تتعدد آلاتها ويبقى لحنها واحداً.
أما المعاني والمفردات، فتأخذك في رحلة شاعرية مذهلة. فطرق التعبير عن الحب ، والغضب ، والشوق ، تتلون بثقافة المكان ، إلا أنها جميعاً تصب في نهر الفصاحة العربية الأم ، أما الترحيب والكرم فهو دستور العائلة الموحد
وإذا كانت اللكنات تختلف، فإن لغة _ الضيف _ في القاموس العربي لا تعرف سوى ترجمة واحدة من ( يا هلا ومرحب ) الممزوجة برائحة الهيل في المجالس الخليجية واليمنية ، إلى (أهلا وسهلا ) التي تسبقها ابتسامة الجار في حارات الشام ومصر و يعزفها لبنان و فلسطين ( بأهلين و سهلين و مرحبتين )، وصولاً إلى ( مرحباً بيكم ) و ( يعيشك ) في مضارب المغرب العربي و ( ع سلامة ) تبقى طقوس الترحيب هي الدستور غير المكتوب الذي تتوارثه العائلات في عالمنا العربي فالكرم هنا حالة من السمو الروحي والاحتفاء بالآخر و دلة القهوة التي لا تبرد والوليمة التي تُنصب للغريب قبل القريب ، وهو امتداد لقيم الصحراء والريف والمدينة على حد سواء
أما التربيةفنقل الشعلة من جيل إلى جيل
فهذا التناغم بين الأصالة المتجذرة والتنوع الجغرافي لم يكن ليصمد لولا منظومة التربية الحازمة والحنونة في آنٍ واحد في كل بيت عربي سواء كان خيمة في البادية ، أو بيتاً من حجر في الجبل ، أو شقة في ناطحة سحاب حديثة ، تُمرر ذات القيم الأساسية احترام الكبير و حماية الجار و إغاثة الملهوف وعزة النفس فالتربية العربية هي المصنع الذي يضمن أن يبقى الفرع وفياً لأصله، وأن يكون الأصل فخوراً بفرعه
في النهاية لا يمكننا قراءة تاريخ العائلات العربية وامتدادها كأرقام أو إحصائيات بل كقصة ملحمية عظيمة قصة أمة استطاعت أن تحافظ على هويتها الروحية وروابطها العائلية رغم قسوة الجغرافيا وتقلبات التاريخ نحن بل نحن عائلة واحدة كبيرة نعزف على أوتار الاختلاف لحناً من التناغم ونثبت للعالم كل يوم أن الجذور الحقيقية لا تعترف بحدود الجغرافيا بل تحيا وتزدهر في قلوب أبنائنا إلى المستقبل