الملتقى / حسن الطفيلي
في دهاليز الروح البشرية، تسكن رغبة عارمة لا تهدأ ، رغبة في التجاوز والسمو وبلوغ شواطئ الطمأنينة الكاملة.
نحن معشر البشر نولد وعلى جبيننا وسم النقص و لكن قلوبنا تخفق بالسعي نحو المثالية
من هذا التناقض الأزلي تولد المآسي الكبرى والإنجازات العظيمة على حد سواء ،
لكن العالم المعاصر بما فيه بكثافته وسرعته ومنصاته الافتراضية، قد شوه هذا التوق الفطري، محولاً إياه احيانا إلى مسخ مشوه لقد خلطنا، بجهل أو بعمد، بين مفهومين شديدي الاختلاف المثالية كمنهج حياة، و الكمال كغاية نهائية
و بتشريح المفهومين نرى
_الكمال _في جوهره الفلسفي، هو النقطة التي لا نقص بعدها. هو حالة التمام التي لا تقبل الزيادة أو النقصان. إنه شفق بعيد نراه ولا نمسه ، هوية إلهية لا بشرية.
عندما نطالب أنفسنا أو الآخرين بالكمال، فإننا نمارس طقساً مزيفا و ندفع صخرة الجهد إلى قمة الجبل، لتسقط حتماً قبل الوصول، لأن طبيعتنا المادية لا تحتمل هذه الصورة
أما المثالية الرحلة الواعية ( المنهج و السلوك ) و هي متحركة متفاوتة لا ثابتة مستقرة التي توجهنا نحو الأفضل والمعايير العالية التي نضعها نصب أعيننا لنرتقي بسلوكنا، وإنتاجنا، وأخلاقنا و المثالية الحقة تعترف بالنقص البشرى، لكنها ترفض الاستسلام له يعني دوام التعلم والصقل المعرفي و السلوكي لتحسين الواقع لا للهرب منه بالصورة المطابقة للنجاح القوة القدرة وغيرها مما يجعل الحياة زاهرة
وعلينا الانتباه لحالة انه عندما تصبح المثالية لا تطابق المعرفة وما ذكرناه انما زيفا للاستعراض ، في هذا المشهد المزيف ، يبرز نمط إنساني مأزوم و هو مدعي المثالية
هذا الشخص لا يسعى للسمو بقدر ما يسعى للظهور المسموم بفوضى و أخطاء وعدم التطابق مع الواقعية هنا إنه يرتدي قناعاً من الفضيلة المتصلبة، ويشيّد سياجاً من المعايير التعجيزية و الخاطئة ، ليستخدمه منصة للتعالي على الآخرين ولتغطية هشاشته الداخلية المرعبة ، مدعي المثالية هو سجين الوهم البصري يرى عيوب الجميع بوضوح مجهري، بينما يعمى عن جبال تناقضاته الشخصية وعدم التناسق و التوازن بالادراك و هنا يستحضرني سؤال كيف اتعايش مع هذا النقص و الفوضى السلوكية
إن الشفاء من هوس الكمال ومن سموم الادعاء يكمن في تبني فلسفة الأصالة
أقصد الجرأة على أن نكون أنفسنا، بعيوبنا ومخاوفنا وإمكاناتنا. و نستبدل صورة الفضيلة بزراعة الفضيلة نفسها.
وعند التعامل مع مدعي المثالية، فإن الترياق ليس في مواجهته برغبة في كسر زيفه و قناعه اذا وجد ، بل في حماية مساحتنا النفسية بحدود صارمة، وتجريد كلماتهم النارية من قيمتها العاطفية، والتركيز على أفعالهم الواقعية التي نادراً ما تتطابق مع أقوالهم المعسولة.
خاتمة القول الإنسانية لا تحتاج إلى المزيد من التماثيل الشمعية المغطاة بالكمال الزائف، بل تحتاج إلى بشر حقيقيين، يجرؤون على الاعتراف بنقصهم، ويواصلون التعلم و المعرفة
يداً بيد نحو مثالية معقولة وممكنة ، تجعل حياتنا مساحة أمان معرفي لإظهار ثمارنا الانسانية الحقيقية