الملتقى / حسن الطفيلي
عجيب هذا الفضاء يدهش العقل و يعزف بنجومه على أوتار القلب ألحان الجمال ...
هنا أقف لأرى المنطق البشري القاصر عن احتواء هذا الجمال و كأنه خريف سرمدي ، و أن الحقيقة محض شجرة جرداء، عارية من أوراق الشعور يابسة العود و قاسية الملمس، ونحن نركض في لهاث لا ينقطع ونتوهم في غمرة التسابق أن ضريبة الوعي العميق ليست سوى الحزن ، و أن سهم الإدراك يغتال فينا دهشة العيش ، ولكن ماذا لو تمردنا على هذا الخريف؟ و نظرنا الى الحقيقة في أبهى تجلياتها و هي نبع الجمال الرقراق؟ نغتسل به من أثقال الأحزان و الأوهام ، وماذا لو كانت البهجة سراج الروح و العدسة الأصفى التي نبصر من خلالها جوهر الوجود النابض ؟
والفلسفة تشرع لنا نوافذ البصيرة لنتأمل إعمار هذا الكون البديع ، حيث نسج فيه كل ذرة بتوازن دقيق و صيغ كل تفصيل ببهاء مقصود من الخالق ليهبنا السعادة و الفرح في وجودنا ، حتى السماء لم ترفع صماء بل هي لوحة الهية تنطق بالجلال حيث يصفها الله بديع السموات و الأرض بسم الله الرحمن الرحيم و لقد جعلنا في السماء بروجا و زيناها للناظرين صدق الله العظيم هذا النداء الرباني الخفي يوقظ فينا العين و الروح لتتذوق رحيق الجمال فنهتز طربا و نهتدي في مسالكها إلى الله .
وفي أغوار هذه الرؤية الجمالية يختزل التراث الروحي الإسلامي أعظم المعاني المنطقية في قطرات من ندى الكلمات حيث أوجز النبي الحبيب الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قائلا إن الله جميل يحب أن يرى الجمال و أرفدها ب و يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، هذا القبس و السر للإرتحال نحو سدرة المنتهى يثبت أن هذا الجمال رفيق درب الموجودات، والبهجة هي الأصل فقد بني الكون بالخير و الجمال .
ومن أطراف عباءة هذا الجمال تنبثق البهجة فجرا جديدا لا ينقطع، ومن شرائع السماء نعلم أن الفرح لا يعيش في سجون الأنانية ولا ينوي السرور في صوامع العزلة ، بل هو ذروة التكافل المجتمعي و أسمى درجات العناق الإنساني ، ألم يتجلى هذا المشهد في سير الأنبياء ملخصة برسول الله محمد صلى الله عليه و آله وصحبه وسلم أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور إلى القلوب ، وهنا تكتمل فسيفساء الوحدة و التآلف ، حيث سر البهجة في الإبتسامة التي ننقشها على ملامح أرهقها التعب و نعيد رسم الجمال على تجاعيد الزمن لنعيد الشباب لحياة الآخرين .
وفي نهاية المطاف وعند العودة من نجوم السماء إلى طبيعة الأرض الخلابة و ربيع الشعوب العزيزة نستنشق البهجة لنرسل زفير الجمال في قتامة الواقع و نستخلص الترياق الناجح في ترميم الشروخ، و نلتقط خيوط الجمال في ابتسامة أم و كتف صديق و في كلمة طيبة تنهمر كغيث صيّب في أرض العلاقات التي أضناها الجدب.
دعونا نعانق عين الحقيقة التي لا تزيغ ، أننا خلقنا لننثر أزهار المحبة و السعادة و البهجة و الجمال في وجه الريح و العتمة والحزن.