الملتقى / عائشه الشيخ
Saudi Arabia: Flower Men، من كتابة برونو دوسي، وتصوير لزيز حمّاني وإبراهيم السرحان وزياد العرفج، وهو كتاب مصوّر صدر عن دار Assouline، ويتناول رجال الزهور في منطقة عسير وعاداتهم وبيئتهم وتراثهم.
الكتاب ليس دراسة أنثروبولوجية أكاديمية بحتة، بل هو عمل بصري ثقافي يحتفي بهذا التراث ويعرضه من خلال الصور والنص.
أكثر ما أراه مدهشًا فيهم ليس وضع الزهور على الرأس بحد ذاته، وإنما العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.
عندما تنظرإلى عسير من الناحية الطبيعية، ستجد بيئة مختلفة جذريًاعن الصورة النمطية للجزيرة العربية باعتبارها صحراء فقط.
المرتفعات العسيرية تمتلك مناخًا وتضاريس وغطاءً نباتيًا سمحا للإنسان بأن يعيش في علاقة يومية مع النباتات وهنا تصبح الزهرة أكثر من زينة إنها شيء ينتمي إلى المكان.
الرجل يضع على رأسه شيئًا ينبت في بيئته، ويحمل جزءًا من الجبل معه وهذا في رأيي يحمل معنى إنسانيًا عميقًا جدًا الإنسان في المجتمعات التقليدية لم يكن منفصلًا عن الطبيعة كما أصبحنا اليوم.
كان يعرف النباتات، روائحها، مواسمها، واستخداماتها، وربما خصائصها العلاجية والغذائية والعطرية.
ولذلك فإن ارتداء النباتات والزهور يمكن أن يُفهم ضمن منظومة أكبر من التكيف مع البيئة والتعبير عن الهوية والانتماء والجميل أن هذه الزينة لم تكن محصورة بالنساء كما قد يتخيل الإنسان المعاصر.
رجل قوي يحمل السلاح أو يمارس حياة جبلية شاقة، وفي الوقت نفسه يضع الزهور على رأسه وهذا بالنسبة لي يحمل رسالة إنسانية جميلة: القوة لا تتعارض مع الجمال.
بل إن الإنسان يستطيع أن يكون شديد الصلابة، وفي الوقت نفسه قريبًا من الطبيعة وحساسًا تجاه جمالها.
رجال الزهور ليسوا كائنات غامضة.
إنهم بشر عاشوا في بيئة جغرافية خاصة، وطوّروا عبر الزمن عادات وهوية تتناسب مع مجتمعهم وبيئتهم.
ومن الناحية الطبيعية أجد الموضوع أكثر إثارة هنا تحديدًا أعتقد أن رجال الزهور يستحقون دراسة أكبر مما حصلوا عليه.
لأن السؤال الحقيقي هولماذا يضعون الزهور وما النباتات التي اختاروها؟ ولماذا هذه النباتات تحديدًا؟
هل الاختيار مرتبط بالرائحة؟
أم بوفرة النبات في موسم معين؟
أم بخصائصه العطرية؟
أم بقدرته على البقاء فترة أطول بعد قطعه؟
أم له علاقة بالطب الشعبي؟
أم أن بعض النباتات ارتبطت بالهوية الاجتماعية والمكانة؟
هذه الأسئلة يمكن أن تنقل الموضوع من مجرد صورة جميلة إلى دراسة تجمع علم النبات بالأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع.
والكتاب نفسه يركز على التراث والحاضر والمناظر الطبيعية والنباتات والحيوانات المحيطة بهذا المجتمع، وهو ما يجعل العلاقة بين الإنسان والبيئة جزءًا مهمًا من موضوعه.
وهناك شيء آخر أعجبني جدًا أرى في رجال الزهور مثالًا على أن الهوية الإنسانية لا تُبنى بالكلام فقط.
الملابس، طريقة ترتيب الشعر، الزهور، الألوان، طريقة العيش، وحتى علاقة الإنسان بالمكان... كلها تصبح لغة صامتة تقول: أنا من هنا.
وهذا مهم جدًا في زمن تتشابه فيه المجتمعات بسرعة.فحين يضع رجل من عسير إكليلًا من نباتات موطنه على رأسه، فهو لا يزين نفسه فقط، وإنما يحمل معه قطعة من الجغرافيا والتاريخ والذاكرة.
أما الشيء الذي أراه أجمل من كل ذلك
هو أن كلمة "رجال الزهور" نفسها تكشف لنا مشكلة في الطريقة التي نصف بها الثقافات المختلفة.
نحن أحيانًا نحتاج إلى اسم غريب حتى ننتبه إلى شيء كان طبيعيًا جدًا لأصحابه،بالنسبة للسائح، الرجل الذي يضع الزهور على رأسه ظاهرة مدهشة، أما بالنسبة لأبناء المجتمع، فقد تكون ببساطة جزءًا من الحياة والهوية والذاكرة وهذا فرق كبير.
لذلك لو أردت أن أختصر رأيي في رجال الزهور في جملة واحدة فسأقول: رجال الزهور ليسوا رجالًا يضعون الزهور على رؤوسهم، بل رجال حملوا طبيعة أرضهم فوق رؤوسهم، وحوّلوا البيئة من حولهم إلى جزء من هويتهم.
وأعتقد أن هذا الجانب تحديدًا يستحق أن نبحث فيه أكثر، بعيدًا عن الصورة السياحية الجميلة وحدها.