أم الدنيا و بوابة الثقافة _ مصر العربية

أم الدنيا و بوابة الثقافة _ مصر العربية

  • الأحد 14 يونيو 2026
  • 04:56 PM

 

الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري 
 

 

​ مصر الحبيبة و الشعب الطيب و الفنان منذ الوالدة ،  (أحسن ناس ) عبارة مخلدة في التعبير عن المحبة للآخر و عندما نطأ أرضها نشعر أننا نمشي فوق التاريخ نفسه حضارة و مستقبل  ،  (أم الدنيا) مصر حازت  شهادة  اعتراف تاريخي جرى به مجرى النيل في عروق الجغرافيا هنا بدأ الإنسان تدوين وعيه  و تعلّم الحجر كيف يروي خلود الروح للزمن الباقي  و نهر النيل  كان  ولا يزال المخرج الإبداعي الحقيقي للهوية المصرية حيث صاغ هذا النهر العظيم سيكولوجية الإنسان على ضفافه  فمنحه الصبر والميل نحو الاستقرار  وعلّمنا البناء والزراعة والتأمل  ينساح النهر من الجنوب إلى الشمال كخيط حرير يربط حكايات الفلاحين بصلوات المعابد صانعا مجتمعا متماسكا  يرى في الماء وسيلة عيشٍ و ركيزة أساسية لوجوده الروحي والثقافي .

​أما الآثار المهيبة الفريدة في هذا الكون حيث ​تتجلى عظمة الحضارة المصرية في كونها دائمة الحياة فلا موت لصانعيها الأهرامات مثلا القابعة في جيزتها هي تجسيد مادي لجهدٍ بشري استثنائي تغلّب على الفناء  ومن الجيزة نزولا إلى الأقصر وأسوان يتحول الوادي إلى متحف مفتوح تتجاور فيه المعابد الشاهقة مع النبض اليومي للبشر ، ​هذه القوة التاريخية تدعم اليوم قطاعا سياحيا متميزا ، فالزائر لمصر لا يأتي لمشاهدة الماضي فحسب بل ليعيش تجربة إنسانية حية ، و يشاهد ان مصر الحبيبة لها طعم الجمال الحلو بنسيجها المتكامل ، صدق من كتب ومن  غنى للكون طربا (اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني وعشان كده مصر يا ولاد... مصر يا ولاد حلوة الحلوات )  
 يمتد التنوع من سياحة الآثار في وادي الملوك  إلى السياحة الشاطئية والبيئية في سواحل البحر الأحمر وسيناء، وصولاً إلى سياحة التأمل في الواحات المترامية ، رحلة في عمق الزمن  تُشعر السائح أنه شريك في حكاية ممتدة لا نهاية لها  و لا يخفى علينا أن الشخصية المصرية تتميز بقدرتها المذهلة على صهر التنوع في قالب واحد هادئ ومتناغم(​الصعيد الجواني) يحتفظ بوقار التاريخ ممثلا نبع الحكمة كما الشهامة والتقاليد الراسخة التي تشبه نخيله الباسق و (​الدلتا والوجه البحري)يتسم بالانفتاح والعطاء الممتد من خصب الأرض الأخاذ وطباع الصيادين على الشواطئ و(​المدن الساحليةكالإسكندرية) تحمل في هوائها مسحة متوسطية تجمع بين كبرياء مصر العتيقة ولمسات الثقافات الإنسانية التي مرت بها.
​هذا التعدد الإقليمي يغني المجتمع المصري بتنوعٍ في الفولكلور والأزياء واللهجات المحلية والمأكولات دون أن يفقد المجموع صوته الواحد الأصيل .

و ​الفن والثقافة في مصر  منبر للشرق وصوته الشجي ​فلطالما كانت مصر الرافعة الثقافية للمنطقة العربية برمتها ، من مقاهي القاهرة التاريخية انطلقت الرواية التي وصلت للعالمية  ومن استوديوهاتها ومسارحها تشكّلت ذائقة الملايين لنرى  امتداد العطاء الثقافي المصري من النحت والعمارة الإسلامية والقبطية ، إلى الموسيقى والسينما التي صاغت للأجيال وجدانها. الفن في مصر لغة يومية يتحدث بها الإنسان البسيط في الشارع عبر نكتة سريعة، أو حكمة مرتجلة أو موال شجي يتردد صداه في المعمورة حيث يمكن أن يغني لك كرما وطربا في استقبالك كلمات الضيافة فتجد نفسك في اوركسترا من الأصالة الفريدة في العالم العربي
​ومع نهاية الرحلة و ​حين تغيب الشمس خلف أفق النيل ، تاركةً ظلال مآذن القاهرة وأبراجها تنعكس على صفحة الماء و في قلب كل إنسان ، يدرك المرء أن مصر لا تنتهي هي  مستمرة مخلدة كالكتب المقدسة  بمداد من صبر و عزيمة ونخوة  ستبقى هذه الأرض ملهمة المبدعين  وملاذ المسافرين والبوصلة التي تشير دائما إلى أصالة الوجود البشري فمن لم يشرب من نيلها بقيت في معرفته بالأرض و الشعب  فجوة لا يملؤها مجاز  ومن عاشها  و قُدّر له الفراق يبقى يحمل في قلبه حنيناً أبدياً لبلدٍ وهب العالم ملامحه الأولى ، وفي صفحة النهاية من أجمل ما أحمله في قلبي تلك الكلمات المغناة ( ما شربتش من نيلها
طب جربت تغني لها
جربت في عز ما تحزن تمشي في شوارعها وتشكيلها
ما مشيتشي في ضواحيها
طيب ما كبرتش فيها
ولا ليك صورة ع الرملة كانت ع الشط في موانيها )
 يا مصر الحبيبة ، و بلسان محب لوطنه العربي و لأم الدنيا ، حتبقي في عنينا ، غالية علينا ... مهما العمر يعدي علينا

 

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي