الملتقى / حسن الطفيلي
مع المشرق العربي و بلاد الشام حيث تلتقي قوافل التاريخ بتباشيرالحداثة ينهض الأردن ناظما قصائدا في الصخر الأرجواني صيغت من رمال الصحراء الذهبية ، هنا التاريخ نتنفسه مع كل نسمة هواء تعبر أودية جبال الشراة وتسمعه في صدى وقع خُطى الأنبياء والغزاة والعابرين الذين تركوا أرواحهم معلقة في المكان ، هنا الأردن شكل حالة وجدانية تتجلى في ملامح أهله وفي تفاصيل أرضه الممتدة بين المرتفعات الخضراء والبادية الشاسعة ، و اذا ما عايشنا (عقيدة النشامى) نجدها أكثر من مجرد كرم فالدفء الإنساني يتجسد في هذه المفردة و هذا اللفظ يتعدى كونه صفة عابرة للشجاعةإلى ميثاق شرف ونهج حياة فالنشمي والنشمية في الأردن هما الوجه الآخر للشهامة حيث يُستقبل الغريب بكلمة (يا هلا او حيي الله) وتُفتح الأبواب مع القلوب ، يتوارث الأردنيون هذه الخصال كابراً عن كابر فتكاد ترى في ملامحهم كبرياء الجبال وسخاء السهول و الكرم و واجب الضيافة التي تمليه أصالة الروح البدوية والريفية على حد سواء .
وللطعام الأردني نكهة أخرى فإذا كان المنسف هو التاج الملكي للمائدة الأردنية ورمزها الطقوسي فإن الروح الحقيقية للأرض تتجلى في بساطة (قلاية البندورة) هذه الوجبة طقس من طقوس الانتماء للأرض و الهوية ، تخيلوا معي مقلاة من الحديد أو النحاس الأسود المعتّق تستقر فوق جمر الحطب المتوهج في البرية أو على أطراف المزرعة حيث حبات الطماطم الحمراء الناضجة تتناسق مع زيت الزيتون الصافي وتتوج بفصوص الثوم وقرون الفلفل الحار ، رائحتها وهي تغلي على مهل تختزل حكايات الحصادين وسمر الرعاة تحت السماء المرصعة بالنجوم إنها طبق العابرين والعمال والشعراء ( لقمة الغني و الفقير ) فيها من دفء العائلة وسخاء الأرض ما يجعلها سيدة على عرش المائدة الأردنية .
و مع دروب البتراء المطروقة ورمال وادي رم التي طافت صورها آفاق الأرض ، يخفي الأردن كنوزا لا تُسلم أسرارها إلا للمسافر الشغوف فوادي بن حمّاد شق في قلب الأرض جنوبا حيث تتشابك الحدائق المعلقة مع شلالات المياه المعدنية الدافئة في مشهد سريالي يشبه قصص الخيال ، و في ضواحي عمّان يقف قصر العبد كشاهد فريد من القرن الثاني قبل الميلاد و تحيط به كهوف محفورة في الجبال تحرس ذاكرة الزمان و أما محمية ضانا تلك االوحة البيولوجية المتدحرجة من قمم الجبال الباردة إلى وديان الأغوار الدافئة حيث يمكنك أن تعيش الفصول الأربعة في رحلة واحدة عبر مساراتها البكر ، هذا المشهد يحمل بعضا من جغرافيا بلد النشامى .
أما الثقافة و الأدب والشعر ، ففي أرض بهذا الثراء لا بد أن تنبت ما يرقى إلى عظمة تاريخها فقد صدح الأردن بأصوات أدبية حفرت اسمها في سماء الإبداع العربي مثال
مصطفى وهبي التل (عرار)شاعر الأردن الأول، الذي امتزجت روحه بكروم إربد وخيام الغجر فكان صوتاً للمهمشين وفيلسوفاً متمرداً صاغ بكلماته وجدان الوطن وحبيب الزيودي (شاعر البادية) الذي غزل من مفردات المكان وشجر اللزاب قصائد تتغنى بنبض الأرض كما المرأة الأردنية كسميحة خريس الروائية الفذة التي غاصت في أعماق التاريخ الأردني لتستل منه روايات ترسم ملامح الهوية وتوثق حكايا الأجداد و زليخة أبو ريشة الشاعرة والكاتبة التي حملت راية التنوير والدفاع عن حقوق المرأة و صنعت بأسلوبها الأدبي الرفيع نصوصاً تتحدى المألوف وتبحث في جوهر الإنسان ،ولم يقتصر الإبداع الأردني على الكلمة، بل امتد ليعانق المجد الأولمبي والعالمي ، مؤكداً أن الإرادة في الرياضة عصية على الحدود ، فالبطل أحمد أبو غوش الذي خلب ألباب العالم حين طار في الهواء ليخطف أول ميدالية ذهبية أولمبية للأردن في رياضة التايكواندو (ريو 2016)فاتحاً الباب لجيل كامل من الأبطال ، وجوليانا الصادق وصالح الشرباتي ، أسماء لامعة في سماء التايكواندو العالمية، أثبتت أن النشمية الأردنية قادرة على التربع على منصة التصنيف العالمي ، وأن الشاب الأردني قادر على مقارعة الكبار في أعرق المحافل.
الأردن كما أنه محطة عبور للسياح فهو رواية مفتوحة تنتظر من يقرأ فصولها بتأنٍ هذا البلد الذي يطعمك من جوع بقلاية بندورة على حافة وادٍ سحيق ، ويأويك من خوف بعباءة نشمي لا يعرف الغدر ، ويطرب مسامعك بقصيدة تلخص حكمة الصحراء ، إنه العراقة التي لا تشيخ والجمال الذي يتجدد مع كل إشراقة شمس فوق جبال عمّان السبعة.