الملتقى / حسن الطفيلي
على ضفافٍ الخليج الدافئة حيث لا تعترف الرمال بالحدود المفتعلة ولا تقف رياح الشمال عند خطوط الخرائط تتشكل لوحةٌ جغرافية بشرية فريدة لا تشبه غيرها ، هناك بين المنامة والدوحة وأبوظبي وًشِيجٌ متماسك مترابط و بِناء مجتمعي أمتن من الإسمنت المسلح الذي شيّد ناطحات السحاب وأغلى من حقول الذهب الأسود ، إنها ثلاثية البحرين وقطر والإمارات حيث لا يقتصر المشهد على التطور المادي المذهل فقط بل يغوص عميقاً في جذورٍ من الفكر والثقافة والشعر والقرابة التي تأبى الانفصال .
قبل أن تُرسم المخططات الهندسية للمدن الذكية وقبل أن تضاء الشوارع الحديثة كانت هذه الأرض تُضاء بوهج الكلمة و بنهضة استثنائية بين حكمة قيادةٍ تقرأ المستقبل ورؤية شعبٍ متجذر في أرضه .
في هذه البقعة من العالم كان الفكر هو ( المهندس الأول ) فالمجالس الثقافية التي انطلقت من المحرق في البحرين وتوسعت لتصبح صروحاً أدبية ومسارح للفنون في كتارا القطرية وتجلت في معارض الكتب ومتاحف اللوفر والمكتبات الكبرى في الإمارات كامتدادٍ لقصيدةٍ واحدة متينة و المفكرون والشعراء هنا كانوا في قلب المجتمع يتساجلون بالقصيد النبطي الذي يوثق شيم الكرم والفزعة ، وينظمون بالفصحى قضايا الأمة وتطلعاتها، ليصيغوا معاً وجداناً خليجياً واحداً يرى في الثقافة حصنه المنيع.
واذا سُحرت العيون بالعمران و الأبراج إلا أنها حافظت على صلة الأرحام وبقيت جسرا للقلوب رغم الطابع المدني
و إذا تأملنا في الطفرة العمرانية والسياحية في هذه الدول الثلاث، نكتشف أن التطور لم يلتهم الهوية العربية و حافظ على الأصالة والعادات والتقاليد ،
و المدن الحديثة بشوارعها الفسيحة الممتدة كأبيات الشعر الموزون والجسور المعلقة التي تفوق السحاب والمرافق السياحية التي تدمج بين الجغرافيا الساحرة والابتكار البشري بنيت في جوهرها لتختصر المسافات بين القلوب ، فالتطور المذهل في شبكات الطرق والمواصلات جعل من زيارة ( العائلة الممتدة ) الموزعة بين هذه الدول الثلاث رحلةً ممتعة لا مشقة فيها.
حين تتجول في أسواق واقف بقطر أو بين أزقة المحرق التاريخية في البحرين أو في الوجهات السياحية العائلية المبهرة في الإمارات ستلاحظ شيئاً واحداً يتكرر (العائلة) فالعمران هنا صُمم ليحتضن التجمعات الأسرية والمقاهي الحديثة والمرافق السياحية وُجدت لتكون امتداداً عصرياً للمجلس الخليجي المفتوح ، إنها سياحةٌ تعيد تعريف المكان ليصبح مساحةً حميمية للتعارف والتآلف ولتأكيد أواصر القربى والتلاحم المجتمعي الذي يرفض الإنعزال و هذا التمازج المدهش بين الجغرافيا التي حُولت إلى جنان سياحية، والتاريخ الذي يُحفظ في صدور الشعراء ومراكز الفكر والقيادة التي تلاحمت مع شعبها لبناء نموذجٍ وحدويٍّ ناعم يجسد أرقى معاني التآزر البشري.
إنها دولٌ لم تكتفِ بالتعارف الداخلي بل شرّعت أبوابها ومطاراتها وموانئها لتكون ملتقىً لثقافات الأرض ولتترجم بكل رقيّ وتطور وتسامح النداء الإلهي الخالد بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚصدق الله العظيم .
و إذا أردتُ توضيح هذا الإرث العظيم
فنذهب إلى الإمارات حيث تحولت إلى عاصمة عالمية للكتاب والمفكرين (معرض الشارقة للكتاب، ومبادرات الترجمة، ومتحف اللوفر أبوظبي) و عندما نكمل المسير إلى قطر نراها صاغت رؤيتها الفكرية عبر مؤسسات ضخمة مثل كتارا (الحي الثقافي) الذي يجمع الفنون والأدب والجوائز العالمية للرواية والشعر و
البحرين التي تميزت بمركز الشيخ إبراهيم بن محمد للثقافة والبحوث حيث رممت البيوت التاريخية لتصبح منابر للمفكرين والشعراء من كل أنحاء الوطن العربي
كما تلاقت القوافي (الفصحى والنبطية)
من إبراهيم العريّض في البحرين (أحد أعمدة الشعر العربي الفصيح المعاصر)
إلى الإمارات حيث الماجدي بن ظاهر كحكيم وشاعر شكلت قصائده أمثالاً شعبية تُتداول حتى اليوم ، (وفتاة العرب )عوشة بنت خليفة التي ارتقت بالقصيدة النبطية ومثلت الصوت النسائي القوي في الأدب و صولا الى شطآن قطر (شعراء الفصحى والنبط)الذين أظهروا التمازج بين القصيدة النبطية التي توثق حياة الصحراء والمقناص والقصيدة الفصحى التي تتفاعل مع قضايا الأمة وكيف دعمت الدولة كبار الشعراء لتصل الكلمة لكل الأوطان
في النهاية ، البحرين وقطر والإمارات هذه الثلاثية المتجاورة على الخريطة هي روايةٌ واحدة كُتبت بحبر التعاون ، وتزينت بعمرانٍ يحترم الإنسان وقيادةٍ تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو في عقول الشعوب وتلاحمها، لتثبت للعالم أجمع أن الحداثة المفرطة يمكن أن تمتلك أيضاً قلباً نابضاً بالدفء والقرابة و الثقافة