عزيزة يا كويت _ يا  سفيرة الأصالة لكل بيت عربي 

عزيزة يا كويت _ يا  سفيرة الأصالة لكل بيت عربي 

  • الثلاثاء 02 يونيو 2026
  • 03:32 PM


الملتقى / حسن الطفيلي 

​على ضفاف الخليج العربي ، حيث تتراقص الأمواج على لحن الحنين إلى سفن الغوص ، وتمتد الصحراء لتروي حكايات الصبر والجلد تقف الكويت كقصيدة شعرية خُطت أبياتها من شباك الصيادين وخيام البادية. إنها الأرض التي استطاعت بإتقان  أن تزاوج بين رائحة البخور وناطحات السحاب ، وبين دفء العشيرة وانفتاح الدولة المدنية الحديثة
​في هذا المقال ، نغوص في أعماق الروح الكويتية ، لنقرأ صفحات من كتاب وطن مقدس  صغير بحجمه ، عظيم بأثره استقر في وجدان كل عربي  ف​الكويت وطنٌ بُني على التكاتف ، أو ما يُعرف محلياً بـ (الفزعة) . لقد انصهرت في هذه الأرض القبائل العربية العريقة والعشائر الأصيلة مع عائلات الحضر والبادية ، ليشكلوا معاً فسيفساء مجتمعية فريدة و  لم تمحُ الحداثة اعتزاز الكويتي بانتمائه القبلي أو العائلي ، بل وظّفته ليكون رافداً من روافد الانتماء الأكبر للوطن و يتجلى هذا التلاحم في الطيبة الكويتية المتأصلة فتلك البشاشة التي تستقبلك في عيون أهلها قبل أن تنطق بها ألسنتهم .

أيضا ، ​لا يمكن الحديث عن الكويت دون الوقوف إجلالاً أمام (الديوانية) أو ما تسمى بالمجلس فهي تعدت كونها  غرفة لاستقبال الضيوف لتكون البرلمان المصغر والمنتدى الثقافي والمدرسة التي تتناقل فيها الأجيال العادات والتقاليد ففي الديوانية، يجلس الوزير بجانب المواطن  و تُمحى الفوارق الطبقية وتُناقش قضايا السياسة والأدب والاقتصاد على فناجين القهوة العربية المطعّمة بالهيل والزعفران أما ​الأعياد والزواجات أفراحٌ بنكهة يغمرها عبق الماضي حيث ​تحتفظ الأفراح الكويتية برونقها التراثي المبهج ففي الزواجات لا تزال طقوس _ الدزة _(تقديم المهر والهدايا للعروس) و _الجلوة _ (حيث تجلس العروس بزيها الأخضر الموشى بالذهب وسط الأغاني الشعبية) حاضرة  بقوة كملكة بطلتها البهية  ،  أما الأعياد فهي مهرجان للتزاور وتجديد صلة الرحم حيث تُشرع الأبواب ويمتلئ الهواء برائحة العود والبخور وتُردد الألسنة التهنئة المعتادة (عساكم من عواده) و يستقبل الضيف كأنه أهل دار كرما وسماحة من أصحابها 

​و اذا فتحنا صفحة الأمثال الشعبية لنشاهد  خلاصة حكمة البحر والصحراء حيث ​يزخر الوجدان الكويتي بأمثال شعبية تلخص فلسفة الحياة، فمن عمق التجربة يقولون (اللي ما يعرف الصقر يشويه) دلالة على الجهل بقيمة الأشياء ، ويقولون في القناعة والرضا بما في البيئة المحلية (حلاة الثوب رقعته منه وفيه) إنها أمثال  نُحتت على جباه النواخذة (الإنسان المجرب الذي صارع أمواج البحر) وتجاعيد جبينه المحفورة بفعل شمس الصيف وملوحة البحر هي بمثابة كتاب سُجلت فيه خلاصات الحياة التي تحولت لاحقاً إلى أمثال شعبيةوحداء رعاة الإبل حيث القساوة صقلت المعرفة بين البادية و الصحراء  .

أما ​المائدة التراثية والزي الكويتي تعبر عن الهوية البصرية الذوقية فلا يزال الرجل الكويتي يعتز بـالدشداشة البيضاء الناصعة ، يعلوها الغترة والعقال ويزينها البشت في المناسبات الرسمية، في مشهد يعكس الوقار والهيبة والحكمة  و في المقابل تتألق المرأة الكويتية بـالدراعة و(ثوب النشل) المطرز بخيوط الزري الذهبية ، والذي يحاكي في جماله سحر الليالي المخملية للمرأة العربية الأصيلة الرزينة .

​و إذا ما زرنا المائدة الكويتية و المطبخ الكويتي نستمتع  برحلة تذوق تعكس موقع الكويت كملتقى للتجارة حيث يتربع مطبق الزبيدي (سمك الزبيدي مع الأرز المتبل) على عرش المائدة، بينما لا يغيب مجبوس اللحم أو الدجاج المزين بـالحشو (البصل والزبيب والبهارات) عن أي وليمة ، ليُختتم اللقاء بحلوى (قرص العقيلي ) مع الشاي المخدر

​لم تكتفِ الكويت بالثروة المادية، بل صدّرت للعالم العربي ثروة فكرية وفنية جعلت منها ( هوليوود الخليج ) وعاصمة للثقافة و منارة للفن 
ف​في الأدب والشعر صدح صوت الشاعر فهد العسكر بآلام المجتمع وآماله ، وتألقت الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح بأشعارها التي دافعت عن الحب وحقوق المرأة ، وفي الرواية، نقل الأديب سعود السنعوسي (الفائز بالبوكر) والروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والكاتبة القديرة ليلى العثمان، الأدب الكويتي إلى  الوطن العربي و العالمية ، و في المسرح والدراما  حفر عمالقة الفن أسماءهم في ذاكرة كل عربي ، فمن منا ينسى روعة الراحل عبدالحسين عبدالرضا ، ورصانة سعد الفرج؟ وكيف لا نُجِلّ دموع وابتسامات سيدات الشاشة الخليجية القديرتين حياة الفهد وسعاد عبدالله، اللتين رسمتا ملامح الأم العربية في أبهى صورها؟ و مجلة ​(العربي الصغير) ... سفير الكويت إلى كل بيت عربي ، و لعل أعظم هدية قدمتها الكويت للأجيال العربية هي إصداراتها الثقافية فإلى جانب مجلة العربي الرصينة، انبثقت مجلة (العربي الصغير) لم تكن هذه المجلة مجرد صفحات ملونة مطبوعة فقط بل كانت جواز سفر سحري عبر الحدود دون تأشيرة لتدخل كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج ، لقد ربت هذه المجلة أجيالاً على حب المعرفة ، وفتحت نوافذ الخيال العلمي والأدبي ، وزرعت قيم التسامح والعروبة في قلوب ملايين الأطفال الذين كبروا وما زالوا يحملون في قلوبهم امتناناً عميقاً للكويت التي رعت طفولتهم الفكرية ، و على ضفاف المطاف تقف أبراج الكويت وشوارعها المضاءة بأحدث تقنيات العصر ومؤسساتها الدستورية الرائدة كشاهدٍ على التطور والحداثة ، لكن هذا التطور لم يكسر يوماً مرآة التراث و الأصالة فالكويت التي عانت ونهضت ، وبكت وابتسمت ، تبقى تلك الواحة الوارفة الظلال التي تثبت للعالم أن الحداثة لا  تنسلخ عن الجذور والقيم و المابدئ الراسخة وأن الطيبة والتسامح هما القوة الحقيقية التي تُبنى بها الأوطان وتخلد بها الشعوب ، دمت عزيزة يا كويت

 

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي