​تونس الخضراء  الياسمينة المكتوبة بماء التاريخ والجمال

​تونس الخضراء  الياسمينة المكتوبة بماء التاريخ والجمال

  • الثلاثاء 19 مايو 2026
  • 06:31 AM

 

الملتقى / حسن الطفيلي 

باحث في الشأن الإعلامي و الفكري

 


​ثمة بلدانٌ تمرُّ بها العصور فتركب متنَ التاريخ  و لكن تونس  يمرُّ بها التاريخ فيتوقف عندها ليتعلم كيف يُصبح شعراً  وكيف يتنفسُ عطرَ الياسمين ، فهي بلد أزلي  الجمال ، ومزيجٌ عبقريٌّ صاغته يدُ الحضارة على مهل  لتكون درّة المتوسط وقلب العالم النابض بالدهشة.

​تتجلى تونس كلوحةٍ مائيةٍ أبدعها فنانٌ كوني حيث تجد فيها عبقرية المكان  فجغرافيا البحر تعانق الرمال الذهبية  ومن شمالها الساحر حيث ترتمي زرقة المتوسط الصافية في أحضان الغابات الغنّاء بجبال (عين دراهم) إلى جنوبها حيث تنبسط الصحراءُ المهيبة كبحرٍ من الذهب المذاب
​وفي قلب هذا التنوع ، تبرز (سيدي بوسعيد) كهوية للجمال البصري فالجدران البيضاء الناصعة تمتزج  بالنوافذ والأبواب الزرقاء لتبدو البلدة وكأنها قطعةٌ من السماء سقطت برفقٍ على تلال قرطاج لتعيش في عناقٍ أبديٍّ مع أمواج تأخذك إلى عالم المتوسط الذي حمل على مياهه حكايا الخضراء إلى العالم

​إذا نطقت الحجارة في تونس، تلت عليك سيرة المجد فهنا قرطاج العظيمة لتي ما زال صدى خيول (حنبعل)يتردد في أرجائها، متحديةً غبار النسيان وهنا يقف قصر الجمّ الروماني (المسرح الأثري) شاهداً على عظمة العمارة ومصارعة العصور ، كأنه عملاقٌ من الحجر يستريح تحت شمس إفريقية ، ​وفي قلب القيروان حيث جامع عقبة بن نافع تتنفسُ العمارة الإسلامية هيبتها بمآذن تصدح بالضوء  وبلاطاتٌ تسجد عليها جباة العارفين والمفكرين ، لتبقى تونس على مر العصور ملتقىً لقرطاج الفينيقية وروما  والقيروان الإسلامية في توليفةٍ حضاريةٍ فريدة لا تُشبه إلا نفسها.
​تونس الحبيبة ، إنها طبقات من النور و حضارة تراكمت فوق بعضهاحتى غدت كل حفنة تراب فيها تختزل فصلاً من فصول التاريخ الإنساني
 واذا ما ذهبت إلى المجتمع التونسي ​ستجد شعبا مقاوما وأدبٌ يلدُ الحياة فلتونس سحر حقيقي لا يكمن في آثارها فحسب بل في إنسانها التونسي المجبول على الأنفة والوعي و هو مجتمعٌ يجمعُ بين جمال و كرم الضيافة وعمق الثقافة ، شعبٌ صاغت الأزمات معدنه فصار صلباً كقرطاج ومرناً كغصن الزيتون.
​هذه الأرض الوديعة هي التي أنجبت شاعر الإرادة أبو القاسم الشاب الذي أحيا بقصائده همم الشعوب العربية حين قال (إذا الشعب يوماً أراد الحياة) هذا الحس الأدبي والمقاوم تجده في تفاصيل الحياة اليومية في (الخرجة) التونسية الصوفية في نقوش النحاس في الأسواق العتيقة وفي عيون نسائها ورجالها الذين يحملون في ملامحهم كبرياءً لا يلين ، وانفتاحاً مستنيراً على العالم 
أما ​المطبخ التونسي فثقافة من  الذوق وسحر البهارات فلا يكتمل الحديث عن روح تونس دون المرور بمحراب مطبخها الذي يعدُّ سفيراً حقيقياً لثقافتها  فالطعام في تونس طقسٌ اجتماعيٌّ دافئ وهوية تحاكي ألأناقة في الطعام 
(ف​الكسكسي التونسي )يتربع على عرش المائدة، مزيناً بالخضار واللحوم ، مُعدا بحبّ يعكس كرم العائلة التونسية و 
(​الهريسة الحارة)تلك اللمسة السحرية الحمراء التي تعكس شغف هذا الشعب وحيويته والتي أدرجت كإرثٍ إنساني غير مادي و 
 والتفاصيل الشهية تكتمل التجربة مع (البريكة) المقرمشة، متبوعةً بـكأس شاي بالبندق (اللمسة التونسية الفاخرة) في مقهىً عتيق ، حيث يمتزج طعم الشاي برائحة الشيشة العبقة ونغمات المالوف التونسي الأصيل 
​ 
​ختاماً و مع الخضراء التي لا تغيب عنها الشمس إن الكتابة عن تونس تشبه محاولة حصر البحر في كف فهي بلادٌ يهواها القلب و يألفها العقل و هي ذلك المزيج المدهش بين أصالة العادات وأناقة الحداثة بين كبرياء التاريخ وعذوبة الحاضر 
 إنها دعوةٌ مفتوحةٌ لكلِّ باحثٍ عن الدهشة  ليستنشق ياسمينها المتفرد ويمشي في أزقتها العتيقة ليدرك بنفسه لماذا أحبَّها الشعراء ولماذا يظلُّ كلُّ من زارها يحمل في روحه شوقاً أبدياً للعودة إلى أرضها الطيبة

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي