الملتقى/ حسن الطفيلي
لا يمكن ان نختصر الحضارة بالعمران والحجارة ففي بداية البشرية كانت نية تختلج في الصدر و قلماً يخط على السطور وعيناً ترقب مسارات النجوم هكذا وعبر مخاض عسير بين المادة والروح تشكلت الملامح الأولى للوعي الإنساني ،
و عندما نتأمل في بداية التاريخ البشري ندرك أن انتقال الإنسان من عتمة البدائية إلى نور التمدن لم يكن مجرد طفرة عشوائية بل مساراً تراكمياً تضافرت فيه الإرادة الإلهية مع التجربة الإنسانية ، رحلةٌ بدأت باختبار أخلاقي بحت لتنضج لاحقاً في صرح علمي ومعرفي غيّر وجه الأرض.
قبل أن يتعلم الإنسان كيف يبني المدن أو يقرأ السماء كان عليه أن يتعلم كيف يبني روحه وهنا تتجلى أولى ملاحم البشرية في قصة الأخوين راعي الغنم والمزارع فكان القربان المادي في جوهره انعكاس لما تضمره السرائر
حين قدّم هابيل أسمن وأطيب ما يملك من ماشيته لم يكن يقدم لحماً، بل كان يقدم التجرد وصحة القصد عن طيب نفس ورغبة في الارتقاء الروحي ، وفي المقابل حين استخسر قابيل جيد زرعه وقدم رديء السنابل كان يعلن ولادة الأنانية في التاريخ الإنساني و النار التي التهمت قربان هابيل إيذاناً بالقبول كانت تدشيناً لقاعدة حضارية خالدة (إنما يتقبل الله من المتقين) فالحضارة التي لا تتأسس على التقوى وطهارة القصد واستشعار الرقابة الذاتية ، هي حضارة تحمل بذور فنائها في داخلها مهما تعاظم شأنها المادي .
ومن هنا ننطلق لإدريس عليه السلام ( الفيلسوف والنبي الذي كتب الأبجدية الأولى ) بعد أن أرست قصة القربان بوصلة الأخلاق كانت البشرية على موعد مع ثورة العقل ، من قلب هذا السكون التاريخي ، برز نبي الله إدريس (عليه السلام) ليربط بين وحي السماء وعلوم الأرض.
فكان أول معلم بالمعنى الحرفي الفردي و المؤسسي ، بيمينه أمسك القلم ليضع أولى لبنات التوثيق ، وبذلك أنقذ الذاكرة البشرية من التلاشي والضياع ، وبيساره غرز إبرة الخياطة في الكتان ، ليصنع أول ثوب يواري به الإنسان قسوة الطبيعة ويرتقي به في مراتب الجمال ، وفي مفارقة مدهشة تجمع بين المادي والروحي ، تذكر السير أنه ما غرز إبرة ولا سحب خيطاً إلا ولسانه يلهج بالتسبيح ليعلمنا أن الصنعة متى ما اقترنت بـالذكر تحولت إلى فنٍ مقدس بل الى حضارة تستمر مع الاجيال .
ولم يكتفِ بتنظيم حياة الأفراد ، بل رفع بصره نحو السماء ليؤسس علم الفلك ومراقبة الكواكب واضعاً أسس المواسم والمواقيت ، وهو أول من خطط المدن وأرسى قواعد السياسة المدنية ، وأدخل الميزان والمكيال لضبط العدل في المعاملات ، فكان بحق الأب الروحي للحضارة المدنية للبشرية
إن العلوم التي أوقد إدريس شرارتها الأولى ، سرعان ما تحولت إلى نهر عظيم سقى جذور الحضارات المتعاقبة. ففي وادي النيل وتحت ظلال الأهرامات ، خلدت الذاكرة المصرية القديمة مكانة هذا المعلم (وفي بعض المعتقدات قيل انه تحوت) ، وفي الأدبيات اليونانية عُرف بـ (هرمس الهرامسة) مشرع الحكمة والطب.
لقد توارثت الإنسانية هذا الإرث العظيم وطورته فمن الفلك والرياضيات في بلاد الرافدين إلى التنظير الفلسفي والهندسي في اليونان القديمة ، وصولاً إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية حيث لم يكتفِ العلماء العرب والمسلمون بالترجمة ، بل أحدثوا القطيعة المعرفية الأهم بتأسيس (المنهج التجريبي)على أيدي عباقرة كالحسن بن الهيثم وجابر بن حيان، وهو المنهج الذي شكل القاعدة الصلبة للثورة العلمية الحديثة التي غيرت وجه العالم .
و في النهاية عندما يقف الإنسان المعاصر أمام مرآة تاريخه الممتد يدرك حقيقة فلسفية لا تقبل الشك إن العلم والتكنولوجيا (إرث إدريس) هما جناحان يحلّق بهما الإنسان نحو المجهول ، ولكن هذين الجناحين يحتاجان إلى بوصلة أخلاقية نقية (كنية هابيل) لضمان ألا يحترقا بشمس الغرور . فالحضارة الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بغزو الفضاء، بل هي التي تنجح في الوقت ذاته في إعمار قلب الإنسان بما يحبه الله و يرضاه.