الملتقى / ىشيخة الدريبيي
السعودية الشرقية
عتقد بعض الناس أن التقاعد يعني نهاية العطاء وأن الإنسان بعد مغادرته لميدان العمل يصبح أقل أهمية أو تأثيرًا لكن الحقيقة أن التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية مرحلةجديدة من الحياة تتغير فيها طبيعة المسؤوليات بينما تبقى قيمة الإنسان وخبراته وعطاؤه رصيدًا لا ينضب فالمتقاعد داخل الأسرة ليس عبئًا بل هو نعمة عظيمة وبركة تحل في المنزل وذاكرة حية تحفظ تاريخ الأسرة وخبرة متراكمة صقلتها سنوات طويلة من العمل والتجارب والمواقف وما اكتسبه خلال مسيرته لا يمكن تعويضه بالكتب أو الشهادات لأنه علم ممزوج بالتجربة وحكمة ولّدتها الأيام لقدأمضى المتقاعد سنوات عمره في الكفاح من أجل أسرته ووطنه وتحمل المسؤوليات وواجه تحديات الحياة وساهم في بناء المجتمع كلٌّ في مجال عمله ومن الوفاء أن يُنظر إليه اليوم بعين التقدير والاحترام لا بعين الشفقة أو التجاهل ..
لذلك إن وجود المتقاعد في المنزل يحقق للأسرة مكاسب كثيرة فهو مصدر للنصح والإرشاد ومرجع في اتخاذ القرارات وصاحب رؤية متزنة اكتسبها من خبرات السنين وكثيرًا ما تكون كلماته المختصرة خلاصة تجارب طويلة تختصرعلى الأبناء والأحفاد سنوات من الأخطاء والمعاناة.كما يؤدي المتقاعد دورًا مهمًا في تربية الأحفاد وغرس القيم الإسلامية والوطنية والأخلاق الحميدة في نفوسهم ونقل العادات والتقاليد الأصيلة إليهم وتعزيز صلة الرحم والمحافظة على ترابط الأسرة فهو يحكي لهم قصص الماضي ويعرّفهم بتاريخ عائلتهم ويزرع فيهم معاني الصبر والصدق والأمانة واحترام الآخرين ومن الناحية النفسية فإن شعور المتقاعد بأنه ما زال محل احترام وتقدير يمنحه دافعًا للاستمرار في الحياة بروح إيجابية بينما يؤدي تهميشه أو تجاهل رأيه إلى شعوره بالعزلة وفقدان القيمة وهو أمر قد ينعكس على صحته النفسيةوالجسدية لذلك فإن أبسط صور الاهتمام كاستشارته والجلوس معه والاستماع إلى حديثه ومشاركته المناسبات العائلية تُحدث أثرًا كبيرًا في نفسه..
كذلك لا يقتصر دور المتقاعد على أسرته فحسب بل يمتد إلى المجتمع كله. فكثير من المتقاعدين يمتلكون خبرات إدارية أو تعليمية،د أو فنية أو مهنية يمكن الاستفادة منها في العمل التطوعي والإرشاد وتدريب الشباب والمشاركة في المبادرات الاجتماعية والمساهمة في نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة فالأمم المتقدمة لا تهدرخبرات متقاعديها بل تجعل منهم مستشارين وموجهين وشركاء في التنمية.كما أن التقاعد يمثل فرصة للمتقاعد نفسه لاكتشاف جوانب جديدة من حياته مثل ممارسة الهوايات والقراءة والكتابة والعمل التطوعي وحفظ القرآن الكريم والمشاركة في الأنشطة الثقافية والاجتماعيةوالاهتمام بالصحة والرياضة وقضاءوقت أطول مع أسرته وأحفاده ليعيش حياة متوازنة مليئة بالعطاء والطمأنينة.كما إن احترام المتقاعد ليس مجرد خلق كريم بل هو وفاء لمن بذل عمره في خدمة دينه ووطنه وأسرته. ومن يزرع الاحترام في أبنائه تجاه كبار السن اليوم سيحصد هذا الاحترام غدًا عندما يبلغ العمر مبلغه فلنغيّر مفهومنا عن التقاعد ولنجعل من بيوتِنا بيئةً تُكرِّم كبارها وتستفيد من خبراتهم وتُشعرهم بأنهم ما زالوا جزءًا أساسيًا من مسيرة الحياة. فالمتقاعد لا تنتهي رسالته بانتهاء وظيفته بل تبدأ رسالة جديدة عنوانها الحكمة والتوجيه والعطاءوصناعةالأثر فالمتقاعد ليس عبئًا على أسرته بل هو بركة في وجوده وخبرة في رأيه وتاريخ في ذاكرته وقدوة في عطائه وكنز لا يُقدَّر بثمن..
احترموا المتقاعد .. فقد أفنى أجمل سنوات عمره في البناء والعطاء وحان الوقت ليجني ثمار التقدير والمحبة والوفاء ..