الملتقى / شيخه الدريبي
السعودية الشرقية
لو تأملنا الوجود لوجدنا أن الإنسان كتابٌ يمشي على الأرض وأن الكتب ليست مجرد أوراقٍ مُعتقة بالحبر بل هي مرايا تعكس تفاصيل عبورنا في هذه الحياة. يبدأ كل منا حياته كصفحة بيضاء ناصعة ونقية ثم تتولى الأيام كتابة السطور بمداد من المواقف والتجارب. هذا التشابه المذهل بين الرواية والرحلة البشرية يجعلنا ندرك أننا بطريقة أو بأخرى لسنا سوى مؤلفين لقصصنا الخاصةفي كل كتاب هناك تلك الفصول المبهجة التي تقرأها والابتسامة تزين وجهك فصولٌ تتحدث عن ربيع العمر عن الحب النجاح واللقاء. تشبه هذه الصفحات في حياة الإنسان تلك اللحظات التي نشعر فيها بخفة كأننا نلمس السماء.في الكتاب حبكة تبتسم للشخصيات وفي الحياة ضحكات الطفولة فرحة التخرج وعناق الأحبة بعد غياب. صفحات نتمنى لو نضع بين طياتها علامة توقف لكي نعود إليها مراراً وتكراراً ونستمتع بدفئها..
صفحات الحزن تعتبر خريف الروح وعتمة السطورولأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة فلا بد للمكتبة الإنسانية أن تضم فصولاً رمادية. تأتي صفحات الحزن في الكتب لتعصر قلوب القراء وتأتي في الحياة كفترات الفقد الخيبة والمرض والحزن ليس سوى جدار بين بستانين. والحزن في حياة الإنسان هو تلك الصفحات الثقيلة التي نجد صعوبة في قلبها حيث الكلمات تبدو باهتة والدموع قد تبلل أطراف الورق. لكن كما في الروايات العظيمة فإن الفصول المظلمة هي التي تمنح النور الذي يلوح في الأفق قيمته الحقيقية فلولا الحزن ما تذوقنا حلاوة الفرح لذا الحكمة المستخلصة من بين السطوربين الفرح والحزن تولد العِبر إنها الهوامش التي نكتب فيها بوعينا خطوطاً عريضة تحت الدروس التي تلقيناها في الروايات تنضج الشخصيات بعد الأزمات وتتغير نظرتها للعالم. وفي الحياة فالإنسان لا يخرج من معاركه كما دخلها.والخطأ ليس نهاية القصة بل هو مجرد سطر خاطئ يمكن تجاوزه في الصفحة
التي تليها ..
لذلك المرونة تعلمنا العبر وكيف نتصفح أيامنا و نغلق الكتاب لمجرد أن فصلاً واحداً منه لم يعجبنا
وإن أجمل ما في ( كتاب الحياة ) هو أنك ما دمت تتنفس فإن القصة لم تنتهِ بعد. إذا كانت صفحتك الحالية مليئة بالحزن تذكر أنها مجرد صفحة وليس الكتاب كاملاً. واصل القراءة وواصل العيش واقلب الصفحة بوعي وتفاؤل.وفي النهاية نحن لا نملك دائماً اختيار ما يُكتب في صفحاتنا ولكننا نملك تماماً اختيار كيفية قراءتها وفهم عِبرها وصناعة الفصول القادمة بأمل متجدد. اجعل من كتاب حياتك روايةتستحق أن تُقرأ تأمل في ( كتاب الحياة ) كيف نصنع من فصولنا أثرًا لا يزول فإذا كانت الكتب تُغلق بمجرد الوصول إلى كلمة ( النهاية ) فإن حياة الإنسان تمتاز بميزة فريدة فالصفحات التي نطويها في حياتنا اليومية لا تختفي بل تتحول إلى عطرٍ يفوح في قلوب من حولنا يتفاوت البشر في تعاملهم مع فصول حياتهم تمامًا كما يتفاوت القراء في تعاملهم مع الكتب هناك من يقف عند صفحة الفقد أو الخيبة ويعيد قرائتها المرة تلو الأخرى ويبكي على السطورها فيضيع عليه جمال الفصول القادمة وهناك من يعيش مستعجلاً يريد القفز فوق تفاصيل الأيام ليصل إلى غاياته فيكتشف متأخرًا أنه لم يتذوق جمال الرحلة ولا دفئها في بعض الكتب نجد أعظم الأفكار في صلب النص بل على الهوامش بعض التعليقات التي تركهاالقارئ كما إن تفاصيل حياتناالتي صنعناها بحب وعفوية هي الهوامش المضيئة التي تجعل لكتابك قيمة فريدة في قلوب الآخرين. سطر عابر تتركه قد يغير مجرى فصل كامل من حياته.والصبر هو الحبر السري الذي يُكتب به في الصفحات المتأخرة من العمر حيث لا يظهر أثره إلا لمن أتم القراءة حتى النهاية .. هنا الإنسانية هي من تُشكلنا ..