(يقف الإنسان بين يقين داخلي وواقع لا يؤمن به) 

(يقف الإنسان بين يقين داخلي وواقع لا يؤمن به) 

  • الأربعاء 29 أبريل 2026
  • 09:54 AM


الملتقى / شيخة الدريبي 

السعوديه الشرقيه الإحساء 

 

​يعيش الإنسان المعاصر في حالة من الازدواجية  حيث يجد نفسه عالقاً في المسافة الفاصلة بين ما يشعر به و ما يمليه عليه الواقع. هذا الصراع ليس مجرد ترف فكري بل هو جوهر المعاناة الإنسانية في عصر مادي يتسارع وتيرة لا تترك مجالاً للتأمل​في أعماق كل فرد منا يسكن يقين داخلي لا يحتاج إلى براهين هذا اليقين قد يكون إيماناً بقيمة عليا أو شعوراً بالاستحقاق وحرية أكبر وبوصلة أخلاقية تخبره بأن هذا ليس الصواب فيصطدم هذا اليقين بـ واقع مادي يفرض لغة أخرى ​لغة الأرقام التي تختزل الإنسان في وحدة استهلاكية فمعايير النجاح التقليدية تحاول إقناعنا بأن المشاعر العميقة مجرد تفاعلات كيميائية وعندما يصبح الواقع سجناً يرفض الواقع الاعتراف باليقين الداخلي للإنسان فينشأ ما يسميه الفلاسفة بـ "الاغتراب" ويشعر المرء حينها بأنه غريب في منزله وفي عمله وحتى في لغته هذا من عدم إيمانه بالواقع وفقدان الثقة في قيمه واشد انواع الغربة هي تلك التي تشعر بها وأنت بين الناس لأنك تحمل حقيقة لا يراها أحد سواك صمود اليقين في وجه التشكيك وهناك نداء داخلي نحو المعنى لا يمكن كتمه للأبد فقدرة الإنسان على استشعار الحقائق تتجاوز الحواس الخمس.كما أن  اللحظات التي يشعر فيها المرء باتصال عميق مع الكون لا يمكن للواقع المادي تفسيرها ولا يكمننا إنكار الواقع ووأد اليقين بل يجب محاولة بناء جسر بينهما. ليقف الإنسان في تلك المنطقة الرمادية حتى لا يظل ممزقاً بل ليكون هو القوة التي تحول ما يؤمن به في الداخل إلى واقع ملموس في الخارج
​إن عدم إيمانك بالواقع الحالي ليس عيباً بل هو الخطوة الأولى نحو إعادة تشكيله فالتاريخ لم يصنع أولئك الذين آمنوا بالواقع كما هو بل أولئك الذين وثقوا في يقينهم الداخلي حتى انصاع لهم الواقع 

 ويكشف لنا أن الوقوف بين "اليقين" و"الواقع" ليس موقفاً ثابتاً بل هو عملية مد وجزر مستمرة. فاليقين الداخلي يمثل الثبات الروحي بينما الواقع يمثل التحول المادي والصراع في الأفكار يظهر في أدق تفاصيل السلوك البشري ​النزاهة في زمن المصلحة حين يوقن المرء بضرورة الاستقامة بينما يفرض عليه الواقع أن الغاية تبرر الوسيلة و​البحث عن العمق في عصر السطحية واليقين بأن الإنسان كائن ذو أبعاد عميقة أمام واقع يحتفي بالمظاهر والقشور السريعة.و​الأمل في مواجهة العبث اليقين بأن لكل فعل نتيجة وغاية مقابل واقع قد يبدو أحياناً عشوائياً أو غير عادل فعدم الإيمان بالواقع هنا لا يعني الانفصال عن الذهان بل هو رفض لمنطق والواقع القائم هذا الرفض يولد طاقة إبداعية أو نضالية و​القلق هو الثمن الذي يدفعه الإنسان لكونه واعياً هذا القلق هو منبه يذكرك وينبهك وعندما لا يؤمن الإنسان بواقعه يبدأ في خلق واقع موازٍ سواء عبر الفن الأدب أو حتى بناء مجتمعات صغيرة تحمل قيم اليقين الذي يؤمن به.ف​اليقين كمرساة والواقع كأمواج ​تخيل اليقين الداخلي كمرساة في قاع البحر والواقع هو الأمواج المتلاطمة في الأعلى.قد تتقاذف الأمواج السفينة يميناً ويساراً لكن المرساة تمنعها من الضياع التام ويصل بالإنسان  إلى تمزق نفسي وفي الواقع لن يكون يوماً تجسيداً كاملاً لليقين فدورنا هو تقليل الفجوة لا محوها تماماً.وأن نختار من الواقع ما لا يلوث يقيننا نفرض يقيننا على مساحاتنا الخاصة (بيوتنا علاقاتنا عملنا) ​الصبر الجميل الإيمان بأن الزمان جزء من العلاج وأن الحقائق الداخلية العميقة تحتاج وقتاً لتنبت في أرض الواقع الصلبة.كما ​إن الوقوف في منطقة الراحة بين الداخل والخارج هو قدر الإنسان فالكائنات الأخرى تعيش واقعها بانسجام تام لأنها تفتقر إلى اليقين الذاتي ولأنك الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يقول للواقع أنا أراك لكني لا أؤمن بك أنا أؤمن بما هو أسمى ..

 

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي