الملتقى / حسن طفيلي
وأنا أقف أمام بحر بيروت متأملا اتساعه مرتشفا القليل من قهوتي و الكثير من الإهتمام بأفكاري ، لا يسعني إلا أن أقارن بين هذا الامتداد المهيب المفعم بالحياة وبين المسافات الباردة التي باتت تفصل بين البشر في عصرنا الحديث .
نحن نعيش في مفارقة وجودية قاسية فرغم تقاربنا الجسدي وتواصلنا الرقمي اللحظي إلا أن هناك جليداً خفياً يتراكم في صمت داخل بيوتنا ومجتمعاتنا إنه ما أسميه صقيع المسافات ذلك الزمهرير الذي يضرب الروابط الإنسانية حين ينسحب منها الدفء الحقيقي ( الاهتمام )
لطالما كان الاهتمام في جوهره الإنساني الأول فعلاً فلسفياً نبيلاً وتجلّياً لحالة من التآزر والتعاون التي تُبنى عليها المجتمعات السليمة فالوحدة الحقيقية بعيدا عن العزلة ، تعني التكاتف والتكامل لمواجهة الحياة بكل ما فيها و لكن الأزمة المعاصرة بدأت حين حوّلنا هذا الفعل الراقي إلى تجارة مادية خاضعة لحسابات الربح والخسارة ، اننا حوّلنا المشاعر إلى بورصة، وبات الكثير يقدمون الاهتمام كقرضٍ ينتظرون سداده بفوائد مضاعفة من التقدير أو الخضوع ، مما يولد حالة مستمرة من القلق والخيبة عند عدم تحقق التوقعات.
للخروج من هذا المأزق، يجب أن نعيد قراءة التاريخ الإنساني للبشرية ، حيث نجد أن النماذج العظيمة التي أسست للحضارة والأخلاق قد ارتقت بالاهتمام إلى مرتبة العطاء الخالص للخالق ( لوجه الله ) المتجرد من أي منفعة ففي التراث الإنساني وفي مسيرة الأنبياء ، نجد دروساً بليغة في هذا التجرد الكامل
تأملوا موقف النبي موسى حين قدم إلى ماء مدين كان غريباً ، طريداً ، ومنهكاً ، ورغم قسوة ظروفه ، لم يمنعه ضعفه من المبادرة حين رأى امرأتين في حاجة للمساعدة تقدم وسقى لهما، ولم يطلب أجراً أو ينتظر ردّاً للجميل بل تخلّى عن كل منفعة وتولى إلى الظل مناجياً الله هذا هو الاهتمام الصافي الذي لا تلوثه البراغماتية وعلى النحو ذاته ، ضرب النبي يعقوب أروع الأمثلة في الرعاية العاطفية التي لا يعتريها اليأس ، حين حافظ على يقينه واهتمامه الموصول بالسماء رغم سنوات الغياب عن يوسف ، دون أن ينتظر مواساة مشروطة من محيطه ، وتصل هذه الفلسفة إلى ذروتها القصوى وتجليها الأكمل في المنهج الذي سطّره بيت النبوة المحمدية ففي قصة أهل البيت نرى إيثاراً يتجاوز كل حدود المنطق المادي حيث آثروا على أنفسهم ووهبوا قوتهم الوحيد لثلاث ليالٍ متتالية (لمسكين واليتيم والأسير)، وباتوا طاوين جياعاً فكان عطاءهم كونياً خالصاً لله سبحانه و تعالى و خلّده النص القرآني كقاعدة ذهبية لـصفوة الاهتمام بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾صدق الله العظيم
هنا يكمن الحل لأزمتنا المعاصرة ، نحن نحترق في علاقاتنا لأننا نتسول قيمتنا من ردود أفعال الآخرين .
متى استحال الاهتمام إلى سلعة ننتظر ثمنها، أصبنا بالاستنزاف العاطفي و لكن ، عندما يكون العطاء منبثقاً من إدراكٍ واعٍ بغاية الإحسان الخالص دون انتظار التصفيق فإنه يتحول إلى طاقة لا تنضب ولا يكسرها الجفاء.
إن النجاة من صقيع المسافات تبدأ بإدراك أنه من الخطأ أن نفهم الاهتمام أنه أداة للسيطرة ، إنما هو حالة من النضج الذاتي أن تعطي لأنك كنبع الماء طبيعتك أن تروي لا أن تنتظر من العطشى أن يملؤوك ، حينها فقط نستعيد إنسانيتناونبني علاقات تعزز استقرارنا النفسي، محصنة بدفءٍ حقيقي لا تبرده مسافات الأرض ، والآن سأعود أدراجي بعد مجالستي بحر بيروت الجميل ، إلى زحمة اللقاءات ، دمتم بخير .