الملتقى / حسن الطفيلي
من رحم الأرض القديمة عندما تنفض عن كاهلها غبار الشتاء، وتتفتح أكمام الزهر لتعلن ميلاد دورة جديدة من دورات الطبيعة، تشهد ضفاف النيل في مصر طقساً احتفالياً فريداً لا يشبه غيره في العالم إنه يوم (شم النسيم) و كما أحب تسميته يوم زهرة الفرح المصرية للإحتفال بقدوم الربيع، كما هو جسرٌ الامتداد السرمدي الذي يربط بين المصري المعاصر وأجداده الفراعنة، في ملحمة من البهجة تتوارثها الأجيال منذ أكثر من خمسة آلاف عام.
عندما نغوص في أعماق هذا العيد المدهش، نقرأ اجمل الصفحات من كتاب التاريخ المصري، مكتوبة بألوان الربيع ورائحة الأرض المبللة بالندى.
أصول ضاربة في عمق النيل القديم
_ أسطورة شمو _
فشم النسيم هو وريث شرعي لعيد شمو الفرعوني ، والذي يعني باللغة المصرية القديمة بعث الحياة و كان المصريين القدماء يعتقدون أن هذا اليوم هو الزمان الذي بدأ فيه خلق العالم، حيث ينشق الوادي عن خضرته، وتفيض الأرض بخيراتها.
ومع تعاقب الحقب وانصهار الحضارات وتبدل الأديان لم يفقد هذا العيد بريقه ، بل تماهى بعبقرية مع الوجدان المصري. تحوّل الاسم بمرور الزمن وتداخل اللغات إلى شم النسيم، ليحمل دلالة حسية تعكس خروج الناس إلى المتنزهات والحدائق لاستنشاق هواء الربيع العليل ، في طقس يقدس الحياة ويحتفي بتجددها.
فنجد طقوس المائدةكأنها أبجدية الرمز وأيقونات البقاء حيث لا تكتمل اللوحة الأدبية والواقعية لشم النسيم إلا بمائدته المتفردة، التي تُعد بمثابة متحف مفتوح للرموز والدلالات القديمة، فيحمل كل صنف رسالة فلسفية عميقة ، فمثلا
البيض الملوّن (رمز التكوين) ، يمثل عند الفراعنة أصل الحياة وبداية الخلق ، وما زال الأطفال في مصر حتى اليوم يمارسون طقس تلوين البيض بألوان زاهية، في استحضار عفوي لعادة الأجداد الذين كانوا ينقشون عليه دعواتهم وأمنياتهم ويعلقونها على الأشجار لتحملها رياح الربيع إلى السماء.
(الفسيخ) والأسماك المملحة (رمز الخصوبة والخلود) و يُعد تناول السمك المملح والمجفف العصب الرئيسي لمائدة هذا اليوم حيث اختار المصري القديم تمليح الأسماك كطريقة لحفظها، في إشارة رمزية إلى حفظ الحياة وتحدي الفناء.
أما البصل الأخضر (درع الوقاية)فيرتبط في الوجدان القديم بطرد الأرواح الشريرة والوقاية من الأمراض وما زال حاضراً بقوة، يُعلق أحياناً على أبواب المنازل ويؤكل ليطهر الجسد مع تبدل فصول السنة.
و الخس والملانة (عطايا الأرض) ، يمثلان الخضرة والنماء، حيث اعتُبر الخس قديماً من النباتات المقدسة المرتبطة بآلهة الخصوبة.
و لنحبر لسيمفونية التلاحم الإنساني على ضفاف نهر النيل ما يميز شم النسيم ويجعله جديراً بالتأمل العالمي، هو تجرده التام من أي صبغة دينية خالصة ، فيعزف العيد القومي الأكثر أصالة وإجماعاً في مصر.
في فجر هذا اليوم، تخرج العائلات المصرية—بمسلميها ومسيحييها—في هجرة جماعية مؤقتة من جدران المنازل إلى رحابة الطبيعة و تكتظ الحدائق العامة بالضحكات، وتنساب قوارب الفلوكة الشراعية على صفحة نهر النيل في مشهد بانورامي ساحر و تتداخل أصوات الأغاني التراثية مع صخب الأطفال، وتتشارك العائلات طعامها في مشهد يجسد أسمى معاني التسامح والتلاحم الاجتماعي.
و علينا أن لا ننسى أن هناك رسالة الربيع الدائم من وادي النيل
ففي ظل التنازعات و الصراعات في العالم الا أن في هذا اليوم تطغى عليه وتيرة الحياة المادية المتسارعة، يقف يوم شم النسيم في مصر كقصيدة شعرية تُتلى في حب الحياة و الحب المليء بالضحكات و الأفراح ، ليذكرنا الشعب المصري الجميل بأن الإنسان قادر دوماً على البدء من جديد وأن الأرض مهما قست فصولها ستعود لتنبت أزهارها و تعيد الحياة ما استمر الوجود و ما أجمل أن تطرب أفئدتنا بهذا المشهد من مصر الحبيبة الهاتف في زوايا المجتمع العربي لتقول توقفوا قليلاً تلمسوا جذوركم استنشقوا نسيم الحياة واحتفوا بالبقاء ، من إرهاقات العالم ، وكل عام و مصر و الوطن العربي بخير