السعودية الشرقية
الملتقى/ شيخة الدريبي
إن أثمن ما يملكه الإنسان في رحلته عبر الحياة هو السلام الداخلي وهو مكسبٌ لا يتحقق إلا باعتماد منهجٍ واضح في التعامل مع الآخرين منهجٍ يقوم على العطاء دون انتظار، والحضور دون فرض، والرحيل دون ضجيج. إن الكلمات التي تدعو إلى ترك الناس يعيشون كما يشاءون ليست مجرد نصيحة عابرة، بل هي فلسفة استغناء ترفع صاحبها إلى مراتب النبلاء.فراحة البال تبدأ حين ندرك أن قلوب الناس ليست تحت سيطرتنا، وأن المحبة تقسم كما تُقسم الأرزاق فمن سأل عنك وتفقد أحوالك، فقد حجزتَ لنفسك في قلبه مساحةً خضراء، فبادله الوفاء بالوفاء. أما من انشغل عنك، فلا تفسر غيابه بالخذلان، بل التمس له الأعذار، فالدنيا مليئة بالأعباء التي قد تسرق المرء حتى من نفسه. كذلك تحرير الآخرين من قيود توقعاتنا هو أقصى درجات الرقي الإنساني كن كعملة نادرة. وكن خفيفاً في حياة الآخرين ولا تقتحم خصوصياتهم، ولا تطلب منهم فوق طاقتهم، ولا تفرض وجودك في مجالسهم أو تفاصيل حياتهم وكن كالغيث، إن أقبل استبشر الناس به، وإن رحل ترك أثراً جميلا فليكن في حياتك مصباح، يضيء لك العتمة وتستند إليه في الشدائد فمن غادر فليغادر بسلام، وأترك خلفه باباً مردودا بلطف، واجعل له في مخيلتك صورة طيبة، فالحياة أقصر من أن نملأها بالحقد على من اختاروا طريقاً غير طريقنا ..
تأكد أن طهارة اللسان صيانة الذات قبل الآخرين وإن الغيبة والنميمة والوقيعة بين الناس ليست سوى سواد يغلف القلب قبل أن يلوث السمعة. فالنبلاء لا يلوثون ألسنتهم بذكر عيوب الآخرين، ليس خوفاً منهم، بل ترفعاً بأنفسهم عن السقوط في وحل الصغائر. عندما تصمت عن عيب غيرك، فأنت تحمي صحيفتك وتصون وقارك، وتجعل من صمتك هيبةً ومن حديثك حكمة.كما أن العتاب هو ملح العلاقات، لكن زيادة الملح تفسد الطعام. وكثرة العتاب توحي بضعف النفس والتعلق المرضي، بينما القوة تكمن في التغافل لا تلح في الشكوى، فالشكوى المستمرة تُنفر القلوب وتجعل منك شخصاً ثقيل الظل وأعلم أن الصمت في بعض الأحيان أبلغ من ألف كلمة عتاب، وأن الكرامة تقتضي أن تظل عزيزاً، لا تطلب وداً ممن ذهب عنك ولا تفرض نفسك على من استغنى ولكي تعيش كما تشاء دع الناس يعيشون كما يشاءون وعليك أن تبني عالمك الخاص اهتم بتطوير ذاتك، وببناء علاقة طيبة مع خالقك، واجعل سعادتك نابعة من داخلك لا من ردود أفعال البشر حينها، لن يضرك من رحل، ولن يربكك من انشغل، وستكون كالشجرة الثابتة، جذورها في الأرض وأغصانها تعانق السماء.
وتأكد إن الحياة ممرّ قصير، والناس فيها عابرون. فاجعل مرورك عطراً، وكلمتك طيبة، ومسافتك مع الجميع موزونة بميزان الكرامة واللطف. عش عزيزاً، ومت كريماً، واترك الخلق للخالق، ففي ذلك سعة الصدر وجمال الروح واجعل وجودك في حياة الآخرين كالسحاب يظللهم ويمطر عليهم خيراً، ثم يمضي بسلام. لا تكن ضباباً يربك الرؤية ويضيق به الصدر. وكن كالضيف الخفيف الذي يترك خلفه رائحة المسك، لا ضجيج العتاب..