((جرح غائر في جسد الأسرة المعاصرة ))

((جرح غائر في جسد الأسرة المعاصرة ))

  • الأربعاء 11 مارس 2026
  • 11:45 AM


الملتقى / شيخه الدريبي 

السعودية الشرقية 

 

لو انتقلنا من مفهوم "البيت والمدرسة" الذي كان يُخرّج شخصيات قيادية ومسؤولة فماالذي حدث الآن فقدت البيوت هيبتها في العقود الماضية، كان البيت يمثل "المعمل الأول" لبناء الإنسان. لم يكن مجرد سقف وجدران، بل كانت مؤسسة تربوية صارمة وحانية في آن واحد، تُعلم الصبر، وتحمل المسؤولية، وفن العطاء. أما اليوم، فقد انزلق مفهوم الأسرة لدى الكثيرين ليتحول البيت إلى "فندق فخم" بمواصفات عائلية. الآباء من "مربّين" إلى "موظفي خدمات" تراجع دور الأب والأم من كونهما "قدوة ومرجعية" ليصبحا "مُقدمي خدمات" و​الهاجس المادي صار جلّ اهتمام الوالدين لتأمين الرفاهية المطلقة، وتلبية الطلبات قبل أن تُنطق. ويحاول الآباء تعويض غيابهم العاطفي أو انشغالهم بالعمل بالتدليل المفرط في نظر الأبناء أن الأباء صرافات آلية أو موظف توصيل و نجد الابن يعيش في البيت بعقلية المستهلك وينتظر الخدمة، ليستهلك الموارد، ولا يشعر بضرورة المساهمة في أعباء المنزل ..

لذا ​غياب الانتماء لا يهتم بإصلاح العطل أو تنظيف المكان، لأنه يدفع ثمن إقامته أو يراها حقاً مكتسباً وهذا ما يفعله الأبناء حين تنعدم لديهم روح المشاركة. فيتعود الطفل أن يكون مركز الكون في فندقه الصغير، ويصطدم بواقع الحياة الخارجي الذي لا يعامله كنزيل "VIP"، مما يؤدي إلى انكساره سريعاً.كما ​إن صناعة "الرجل" و"المرأة" لا تتم عبر الترف، بل عبر التكليف.ف​الرجل عندما يتعلم كيف يحمي، كيف يكدح، وكيف يتحمل نتيجة قراره. ​والمرأة تُصنع عندما تتعلم التدبير، والاحتواء، وفن إدارة الحياة. حين يتحول البيت إلى فندق، يخرج الأبناء إلى المجتمع وهم يملكون "أحدث الأجهزة" ولكنهم يفتقرون إلى أقوى الشخصيات كما أن ​العودة إلى مفهوم (البيت المحضن)  تتطلب شجاعة تربوية لذا ​إعادة تفعيل المسؤوليات يجب أن يكون لكل فرد في البيت دور (مهمتك هى لو كان بسيطاً) يساهم فيه بالخدمة لا بالاستهلاك فقط وليس كل ما يُطلب يُستجاب فالحرمان أحياناً هو قمة التربية ​الاستثمار في الوقت لا في المادة  والجلوس على مائدة الحوار أهم من دفع فاتورة المطعم ​الخلاصة البيوت التي لا تُبنى فيها الشخصيات، هي مجرد محطات انتظار؛ والآباء الذين يكتفون بالإنفاق، يربون أجساداً ويهملون أرواحاً هنا الموضوع أعمق وأكبر مع التركيز على الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه الظاهرة، وكيفية إعادة "الروح" إلى زوايا البيت ..

​نجد ان الجدران الصامتة والأرواح المغتربة وتحول البيت إلى "فندق" ليس مجرد تغير في طريقة توزيع المهام، بل هو زلزال يضرب مفهوم الانتماء "فالمحضن" هو مكان توجد فيه لتعطي وتتشارك. وتنقلب الموازين وتصبح السيادة رغبات الأبناء بدلاً من حكمة الآباء ويخشى أن يغضب ابنه، فيتحول من قائد يضع القوانين إلى منفذ للأوامر، باحثاً عن تقييم إيجابي من أبنائه، تماماً كما يحرص موظف الاستقبال على إرضاء النزيل.نحن في جيل لا يعرف معنى "السلطة المشروعة" أو "احترام القوانين"، لأنه نشأ في بيئة لا يُقال فيها "لا"لذا ​فالأبناء كنزلاء الفنادق، لا يعرف غير رقم الغرفة وهذا ما يحدث في البيوت المعاصرة مع الأسف الغرفه والهاتف والتواصل بينهم يتم عبر "الواتساب" لطلب طعام أو غرض ما والمهام التي كانت تُنجز سوياً في البيت تلاشت تدريجيا والترف يقتل الإبداع ​عندما يكون كل شيء متاحاً بضغطة زر (رفاهية ) وكل فرد يجد نفسه مشلولاً أمام أول عقبة في الحياة الزوجية فيجب علينا ان ننقل البيت من حالة (الاستهلاك إلى حالة "البناء) ونعود الى الخدمة الذاتية ..

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي