الملتقى / رياض سعود العوام
كان اسمه سالم…
رجلًا في أواخر الخمسين، هادئ الملامح، طويل القامة، نحيل الجسد، وقد خالط الشيب شعره ولحيته. كانت عيناه تحملان حكايات كثيرة، بينما تستقر على وجهه ابتسامة هادئة لا تفارقه.
كان يمر بين الناس مبتسمًا، يلقي السلام، ويسأل عن أحوال الجميع، ويمنح من حوله شعورًا بالطمأنينة. لم يكن أحد يعرف أن خلف تلك الابتسامة حكاية عمرٍ طويل، وأيامًا علّمته الكثير.
كان سالم كالشجرة العتيقة؛ تعصف بها الرياح من كل جانب، فتتمايل أغصانها، لكنها لا تسقط.
فقد أناسًا أحبهم، وتبدلت أمامه أشياء كان يظن أنها ستبقى، وسارت به الحياة في طرق لم يخترها، لكنه ظل متمسكًا بإيمانه، محافظًا على نقاء قلبه.
وكان إذا سأله أحد:
«كيف حالك يا سالم؟»
ابتسم وقال:
«بخير… الحمد لله.»
ثم يغيّر الحديث، ويسأل عن صاحبه، وكأن الاطمئنان على الآخرين أهم من الحديث عن نفسه.
وفي المساء، حين تهدأ الحياة، كان يجلس قرب نافذته، يحتسي قهوته، وينظر إلى السماء.
يتذكر وجوهًا غابت، وأيامًا مضت، وأحلامًا أخذت طريقًا آخر.
ثم يبتسم ويقول:
«الحمد لله على كل شيء… لعل القادم أجمل.»
وفي إحدى الليالي رفع يديه إلى السماء وقال:
«يا رب، أنت أعلم بما في قلبي، فاجعل القادم خيرًا، وامنحني من السكينة ما يجعلني راضيًا بكل ما كتبت.»
وفي الصباح خرج سالم كعادته، بابتسامته نفسها، وسلامه نفسه، وقلبه الذي اختار أن يمضي إلى الأمام.
لم يكن سالم رجلًا لم تهزه الحياة، بل كان رجلًا هزته كثيرًا، لكنه تعلّم كيف يستعيد توازنه.
كان يحمل حكاية لا يعرف تفاصيلها أحد، لكنه لم يسمح لها أن تغيّر طيبة قلبه.
فبعض الرجال لا تحكي ملامحهم كل ما مرّ بهم،
لكن ابتسامتهم تقول شيئًا واحدًا:
ما زلت واقفًا… وما زلت أؤمن بأن القادم أجمل.