خبايا الحزن

خبايا الحزن

  • الأربعاء 19 أغسطس 2026
  • 01:10 PM


الملتقى / رياض العوام 

 

كان دائمًا يبتسم… حتى في أكثر الأيام التي كان قلبه فيها يبكي.

كان الناس يرونه طيبًا، هادئًا، يسامح بسرعة، ويقف بجانب الجميع دون أن ينتظر منهم شيئًا. كانوا يظنون أن قلبه قوي، وأنه لا يتأثر، لأنه لم يكن يومًا من الذين يشتكون.

لكنهم لم يعرفوا أن الطيب أحيانًا ينكسر أكثر من غيره…

ينكسر حين يعطي من قلبه ولا يجد من يفهمه، وينكسر حين يكون حاضرًا للجميع ولا يجد أحدًا يسأل:

“وأنت… من يطمئن عليك؟”

كان يحمل في داخله كلامًا كثيرًا، حكايات لم تُحكَ، ودموعًا خبأها خلف ابتسامة اعتاد الناس أن يروها.

كلما أراد أن يتكلم، تراجع.

ليس لأنه لا يملك الكلام… بل لأنه خاف أن يُفهم خطأ، أو أن يكون حديثه ثقيلًا على قلب أحد.

حتى جاء يوم شعر فيه أنه لم يعد قادرًا على شرح ما بداخله.

جلس وحيدًا، وأخذ ينظر إلى يديه طويلًا، وكأنه يبحث بين خطوطهما عن جواب لكل ما مرّ به.

قال في نفسه:

“أنا ما تغيرت… أنا بس تعبت.
تعبت أكون الشخص اللي يحتوي الجميع، ولا أحد يحتويه.
تعبت أقول أنا بخير، وأنا من داخلي مو بخير.”

كانت هناك أشياء كثيرة يريد أن يقولها، لكنه لم يستطع.

فالصمت أحيانًا ليس قوة…

الصمت هو آخر ما يملكه الإنسان حين يعجز عن وصف وجعه.

ومن شدة ما انكسر، أصبح يخاف حتى من الكلام.

صار يخشى أن يفتح قلبه، فيخرج منه كل ما أخفاه لسنوات دفعة واحدة.

لذلك اختار الصمت.

صار يبتسم عندما يُسأل:

“وش فيك؟”

ويقول:

“ما فيني شيء… الحمدلله.”

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

كان في قلبه ألف “آه”، وألف حكاية، وألف دمعة لم تجد طريقها إلى الخارج.

ومع ذلك… بقي طيبًا.

لم يتحول إلى شخص قاسٍ، رغم كل ما مرّ به.

لم ينتقم ممن أوجعه، ولم يرد الإساءة بالإساءة.

فقط أصبح أكثر هدوءًا… وأكثر بعدًا… وأكثر تحفظًا.

وأصبح يعرف أن بعض القلوب لا تموت من الحزن، لكنها تتعلم كيف تعيش وهي مكسورة.

وفي آخر الليل، حين يختفي الجميع، كان يرفع يديه إلى السماء ويقول:

“يا رب… أنت وحدك تعرف خبايا قلبي،
وتعرف الكلام الذي عجز لساني عن قوله،
وتعرف كم مرة ابتسمت وأنا منكسر.
فاجبرني جبرًا يليق بكرمك،
وأرح قلبي من كل وجعٍ أخفيته عن خلقك.”

ثم يمسح دموعه، ويعود في الصباح كما عرفه الناس…

طيبًا، هادئًا، مبتسمًا.

لكن في داخله شخص آخر…

شخصٌ انكسر كثيرًا، ولم يجد من يسمع صوته حين كان يقول بصمت:
“أنا أيضًا أحتاج أحدًا يحتويني… أنا أيضًا أتعب… وأنا أيضًا أتمنى أن يسألني أحد: هل أنت بخير حقًا؟”

ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية الحكاية.

ففي يومٍ ما، أدرك أن انكساره لم يكن نهاية الطريق، وأن كل دمعة أخفاها، وكل وجعٍ تحمّله بصمت، كان يصنع داخله إنسانًا أكثر قوة ووعيًا.

لم يعد ينتظر من الناس أن يفهموا كل خبايا قلبه، ولم يعد يلوم من لم يشعر بوجعه.

تعلم أن بعض الأبواب تُغلق رحمةً بنا، وأن بعض الأشخاص يرحلون ليتركوا لنا مساحة نكتشف فيها أنفسنا من جديد.

تعلم أن الطيبة لا تعني أن يسمح للآخرين بكسره، وأن التسامح لا يعني أن ينسى ما تعلّمه من الألم.

فبدأ يختار نفسه…

ليس غرورًا، ولا قسوة، بل احترامًا لقلبٍ أتعبته الحياة كثيرًا.

وفي صباحٍ جديد، وقف أمام المرآة، ابتسم، وقال:

“لقد نجوت… رغم كل شيء.”

لم تختفِ ندوبه، لكنه لم يعد يخجل منها.

لم ينسَ وجعه، لكنه لم يعد يعيش أسيرًا له.

ومضى في طريقه بقلبٍ أهدأ، وروحٍ أقوى، وإيمانٍ أكبر بأن الله لا يترك قلبًا لجأ إليه.

حتى جاء يومٌ أصبح فيه ما أبكاه بالأمس، سببًا في القوة التي يحملها اليوم…

وعرف أخيرًا أن أجمل انتصار ليس أن ينتقم ممن كسره…

بل أن يبقى طيبًا، ويبتسم من جديد، دون أن يسمح للحزن أن يغيّر نقاء قلبه.

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي