الملتقى / شيخة الدريبي
السعودية الشرقية
لقد وهب الله الإنسان أداتين عظيمتين للإدراك والتوجيه هما القلب والعقل وهما ليسا مجرد عضوين بيولوجيين بل هما منارتان يسير بهما المرء في دروب الحياة المعقدة وبينهما تتوزع أدوار الفهم والتمييزخاصة في سياق العلاقات الإنسانية فالقلب هو موطن المشاعر النبيلة والبوصلة الروحية التي تلتقط ذبذبات المودة دون عناء بينما العقل هو الحارس اليقظ والناقد البصير الذي يحلل المواقف ويفكك الرموز ليعرف مكامن الجفاء والخصومة.إن التوازن بين نبض القلب وحكمة العقل هو السر الكامن وراء بناء علاقات إنسانية سوية وحماية النفس من الخيبات والصدمات بالقلب تشعر بمن يحبك كماإن الحب الصادق ليس بحاجة إلى خطابات رنانة أو أدلة مادية ملموسة لكي يثبت وجوده فالمحبة الحقيقية طاقة خفية تتسلل إلى النفوس بلا استئذان.
عندما يحبك شخص ما بصدق فإن قلبه يرسل إشارات تلتقطها روضتك الروحية مباشرة فالأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فالحب يمنحك شعوراً بالأمان والقبول غير المشروط تشعر بحبه في نظرة عينه التي تفيض حناناً وفي نبرة صوته التي تحمل الاهتمام والحرص وفي غيابه الذي يترك فراغاً لا يملؤه غيره.
فالأنسان يمتلك حساً سادساً يجعله يطمئن لبعض الأشخاص دون سبب ظاهر. وهذا الاطمئنان هو رادار القلب الذي يخبرك بأن هذا الشخص يحمل لك وداً طاهراً خاوياً من المصالح والأغراض الدنيوية فالتغافل والالتماس يشعر القلب بمحبة الآخرين من خلال مساحات التسامح التي يمنحونها لنا.فالمحب يرى هفواتك صغيرة ويلتمس لك الأعذار قبل أن تعتذر لأنه يرى جوهرك لا مظهرك وبالعقل تعرف من يكرهك فإذا كان الحب يُدرك بالقلب والوجدان فإن البغض والكره غالباً ما يتخفيان خلف أقنعة من المجاملة والزيف الاجتماعي هنا يأتي دور العقل ليقوم بدور المحلل والناقد فلا ينخدع بالكلمات المعسولة بل يزن الأمور بميزان المواقف والأفعال والكراهية وقد تُخفى في الصدور لكنها حتماً تظهر في فلتات اللسان وزلات السلوك كما أن العقل لا يؤمن بالادعاءات بل يراقب السلوك في أوقات الشدة والأزمات.
من يكرهك أو يحمل لك حسداً وضغينة قد تلمح في عينيه نظرة شماتة عابرة عند إخفاقك أو بروداً لافتاً عند نجاحك وتميزك.كذلك العقل يتأمل في لغة الجسد. فالتكلف في الترحيب والانسحاب عند حاجتك إليه والانتقاد المستمر والمبطّن بغلاف النصيحة أو المزاح كلها أدلة عقلية يكشف بهاالشخص نيات الآخرين. بثقافة الصمت والتبصر بالعقل يتعلّم الإنسان كيف يلوذ بالصمت ويسرّح نظره في تصرفات من حوله. الصمت يمنح العقل فرصة ذهبية لرصد التناقضات بين ما يقال علناً وما يُضمر خفاءً مما يقي المرء شرور الخديعة والمكر.كذلك التكامل بين ثقافة القلب وحكمة العقل
لذلك فالانحياز التام للقلب قد يورث صاحبه السذاجة فيقع فريسة للمخادعين باسم الحب. وفي المقابل فإن الاعتماد الكلي على العقل وجفاف التحليل قد يحوّل الإنسان إلى كائن شكاك يسيء الظن بالجميع ويفقد متعة كما أن التواصل الإنساني الفطري الرقي الإنساني يتجلى في أن نفتح قلوبنا لنستشعر دفء المحبين ونبادلهم وفاءً بوفاء وأن نُعمل عقولنا لنرسم حدوداً آمنة مع من تظهرمؤشرات جفائهم وكرههم دون أن نتحول إلى أعداء بل نكتفي بحفظ المسافات لحماية سلامنا الداخلي.وفي نهاية المطاف يبقى الصدق هو العملة النادرة التي تضيء دروبنا.
ما أجمل أن نعيش بقلوب حية تشعر بنبض الأوفياء وتحتضنهم وبعقول واعية تدرك نيات الحاقدين وتتجنبهم إن معرفة الناس ومعادنهم علمٌ بحد ذاته وقودُه نباهة العقل وصفاء السريرة لنمضي في هذه الحياة بنفوس مطمئنة تبني معالم الخير وتنأى بنفسها عن الصراعات الهامشية مسترشدة دائماً بقيم النزاهة والترفع وحسن الخلق ..