الملتقى / عائشه الشيخ
في أقصى امتداد الساحل الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، وتحديدًا قبالة شواطئ جازان، تستلقي جزيرة قُمّاح بهدوءٍ يشبه الصمت الذي يسبق الحكايات. ليست من الجزر التي تتصدر العناوين، ولا من الوجهات التي تزدحم بالزوار، لكنها تملك شيئًا نادرًا… روحًا لا تُشبه إلا نفسها.
جزيرة قُمّاح واحدة من جزر أرخبيل فرسان، ذلك العالم البحري الذي يتكوّن من عشرات الجزر المتناثرة كحبات لؤلؤ على صفحة البحر الأحمر. لكنها، رغم انتمائها لهذا الأرخبيل، تبدو وكأنها اختارت أن تبقى بعيدة قليلًا… لتحتفظ بسرّها.
الاقتراب من الجزيرة تجربة بحد ذاتها؛ مياه صافية تتدرج ألوانها بين الفيروزي والأزرق العميق، وأسماك تتحرك كأنها لوحات حيّة، وشعورٌ بأنك تغادر الزمن المعتاد إلى زمنٍ آخر أكثر بساطة وصدقًا. هناك، لا ضجيج مدن، ولا صخب طرق، بل فقط صوت الأمواج، وهدوء ينساب في الداخل قبل الخارج.
أرض الجزيرة تحتضن مزيجًا من الرمال البيضاء والصخور المرجانية، وتنتشر فيها بعض النباتات الساحلية التي تتحدى قسوة المناخ. أما السماء، فهي جزء من المشهد، واسعة ونقية، وكأنها تُكمل اللوحة التي بدأها البحر.
لكن جمال قُمّاح لا يقتصر على الطبيعة، بل يمتد إلى الإحساس الذي تزرعه في زائرها. إنها من الأماكن التي لا تبهرك بضخامة ما فيها، بل بصفاء ما تقدمه. هنا، تعود الأشياء إلى بساطتها الأولى: جلسة صامتة أمام البحر، أثر قدم على الرمل، نسمة تحمل رائحة الملح… وكلها تفاصيل صغيرة، لكنها عميقة بما يكفي لتبقى.
وربما ما يجعل الجزيرة أكثر تفرّدًا هو أنها لم تُستنزف بعد. ما زالت بكراً في كثير من جوانبها، تحتفظ بنقائها، وتمنح من يصل إليها فرصة نادرة ليرى الطبيعة كما هي، دون زينة أو تدخل مبالغ فيه.
في زمنٍ أصبحت فيه الوجهات متشابهة، تظل جزيرة قُمّاح مختلفة… لأنها لا تحاول أن تكون شيئًا آخر. هي فقط جزيرة هادئة، لكنها قادرة على أن تترك فيك أثرًا لا يزول. وكأنها تقول: الجمال الحقيقي… لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه.