الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الثقافي
شكلت الصحراء و البحر الأحمر طريقاً ممهداً سلكته القوافل والأشرعة لتكتب أبجدية فريدة في أقصى الجنوب هناك حيث تخلع العروبة عباءتها النجدية أو الشامية ، لترتدي ثوباً إفريقياً مطرزاً بخيوط السُّمرة والشمس حيث يتجلى امتداد جغرافي وروحي قلما تلتفت إليه البوصلة.
من ضفاف النيل في السودان، مرورا بسواحل الصومال الطويلة، و وقوفا عند مضيق جيبوتي، وصولا إلى أرخبيل جزر القمر في قلب المحيط الهندي تقف أربع جغرافيا ترتوي من بئر ثقافية واحدة ، وتتحدث بلغة خضعت لسطوة المكان وألوانه هذا الممر العابر للدول هو شريان حي ينبض بالتاريخ والتجارة والقصائد المنسية .
السودان (مهد الطين ورواية النهر)
تبدأ الحكاية من السودان ، حيث لا يشق النيل مسارات الذاكرة ،هنا امتزجت دماء الرعاة العرب المتدفقين من الشرق بطين الأرض الإفريقية الخصبة لينتج عن هذا الانصهار هوية فريدة لا تقبل القسمة و العربية في السودان تجدها مع صوت الحقول وإيقاع الطبول وحِداء الإبل في بوادي كردفان ودارفور و في الخرطوم تتحدث إفريقيا بلسان عربي مبين يحمل خشونة الصحراء ولين الماء ليبقى السودان الجسر البري الأمتن الذي عبرت منه لغة الضاد إلى قلب القارة السمراء .
اما الصومال حيث قوافي البحر وأرضُ العِطر فإذا انحدرنا شرقاً نحو القرن الإفريقي تستقبلنا سواحل الصومال الممتدة كشيفرة سيف لامع في مياه المحيط (أرض بونت) كما عُرفت قديما كانت مصدر البخور واللُّبان لمعابد الفراعنة وأسواق العرب و كانت شاطئاً رست عليه السفن الشراعية المحملة بالتوابل والقصائد معا في مقديشو وهرجيسا وبوصاصو هناك الحرف العربي يتداخل مع طبيعة البدوي المعتز بأنفته الإفريقية والصوماليون أيضا أمة من الشعراء بطبعهم طوعوا المفردات العربية لتلائم إيقاع رياح المواسم وحفظوا القرآن في الألواح الخشبية تحت ظلال أشجار السنط جاعلين من لغتهم خزانة تحفظ الموروث العربي الملاحي بامتياز ومع الصور البهية للجغرافيا اذا ما ذهبنا لجيبوتي (حارسة المضيق ومفتاح القارّة) على حافة باب المندب ، تقف جيبوتي كحارس عنيد يتأمل العابرين بين بحرين هذه الرقعة الصغيرة في حجمها الهائلة في ثقلها ، تمثل عنق الزجاجة الذي مرت منه هجرات البشر وحركة القوافل ففي شوارعها، تتقاطع اللغات الحامية والسامية ومع ذلك تبقى العربية الصوت الذي يتردد في مساجدها وأسواقها كشاهد على تاريخ طويل من الرحلات بين اليمن وميناء زيلع القديم وعليه نجد جيبوتي هي نقطة الارتكاز حيث تلتقط الأنفاس القادمة من شبه الجزيرة قبل أن تتوغل في مجاهل إفريقيا
و جزر القمر (هودج المحيط ومراسي النوارس) و نكمل سوية في أقصى الجنوب ، حيث ينفرد المحيط الهندي بعزلته الزرقاء ، لتطفو جزر القمر كأربعة أقمار سقطت من سماء التاريخ إلى هناك حملت الرياح التجارية أشرعة العمانيين والحضارمة حاملين مع بضائعهم دينهم وأنسابهم وحروفهم ، في موروني تبدو العروبة وكأنها أخذت إجازة من قسوة الصحراء لتستريح تحت أشجار القرنفل واليلانغ يلانغ و اللغة القمرية ذاتها تنبض بنصف قاموس عربي والأسماء والأزياء والعادات تقف كدليل حي على أن الثقافة تركب المحيطات و أمواجها و في هذه الرحلة الفريدة لنذهب سيوة لخيط السُّبحة الواحد فقراءة هذه الدول الأربع كجزر معزولة هو إجحاف بحق الجغرافيا والتاريخ معاً فالسودان و الصومال و جيبوتي و وجزر القمر ، هي حبات في سبحة واحدة، عقدها يمتد من رمال النيل إلى أمواج المحيط الهندي و هي البعد الأسمر للعروبة ، حيث الانتماء و الهوية وقوة الذاكرة المشتركة و في هذه البقاع لم تفرض الثقافة نفسها بالسيف ، بل تسللت بنعومة البخور، ورسوخ الأشرعة، لتخلق نسيجا لا يشبه سواه في العالم بأكمله.