الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري
غنّت أم كلثوم (الأطلال) عام 1966، حيث برعت بألحان السنباطي ، و ثبّتت المسامير الأخيرة في نعش الفكرة الفوقية التي ترى في الشعر الفصيح ديوانا نخبويا مغلقا ففي تلك اللحظة تحولت القصيدة من حبر بارد على ورق أصفر إلى كائن حي يتنفس يبكي ويحرّك سواكن الجماهير في الوطن العربي لا بل العالم .
و شكلت العلاقة بين الموسيقى العربية والقصيدة عملية (إعادة تدوير حضاري)للوجدان العربي قادها مطربون أصواتهم ذهبية بحناجر ملائكية فكانوا فلاسفة ومترجمين نفسيين للشعوب ،
و كما في مصر كان الطرب مشروعا لبناء الدولة الروحية الفنية ، نرى أنه عندما التقى محمد عبد الوهاب بأحمد شوقي الذي شكّل تحالفا بين (أمير الشعراء) و(مجدد الموسيقى) لإنزال الفصحى من برجها العاجي البرجوازي إلى المقاهي الشعبية وشوارع القاهرة التي امتلأت بالقصائد الفلسفية والوجودية ، فصوت مثل رياض السنباطي وهو يلحّن (رباعيات الخيام)التي ترجمها أحمد رامي ، كان يقدم جرعة مكثفة تخاطب روحية و وعي الإنسان البسيط قبل المثقف ، ليتساءل الجميع في لحظة تجلٍّ جماعي (سمعتُ صوتا هاتفا في السَّحَر)
أما إذا ارتحلنا شمالاً نحو جبال لبنان ، فإن القصيدة المغناة خضعت لعملية (تطهير واختزال ) مذهلة على يد الأخوين رحباني وصوت فيروز ففي لبنان تحررت القصيدة من ثقل القافية الممتدة والخطابة الكلاسيكية، لتصبح رشيقة كغزالة جبلية فيروز التي غنّت (خذني بعينيك) و(سيد الهوى قَمَري) بأسلوب جعل الفصحى تبدو كأنها لغة التخاطب اليومية ، و حول الرحابنة وفيروز القصيدة إلى وطن بديل ، غائم بالجمال ، هرب إليه العربي كلما ضاقت به جغرافيا السياسة وانكساراتها ،
و في الوقت الذي كانت فيه الحواضر التقليدية (القاهرة وبيروت) تعيش على أمجاد كلاسيكياتها ، كانت شبه الجزيرة العربية والخليج يشهدان ثورة صامتة ولكنها شديدة العمق والخطورة حيث ارتبط الخليج في الأذهان بالشعر النبطي ، لكن العبور نحو الفصحى المغناة جاء ليحدث صدمة جمالية أعادت ترتيب الأوراق من جديد ، هنا يبرز طلال مداح (صوت الأرض) الذي حطم العزلة الجغرافية للأغنية المكية والنجدية عندما غنى الفصحى بنبرة إنسانية موغلة في الشجن تلاه محمد عبده الذي منح القصيدة الفصحى تلك الأبعاد الدرامية المعقدة فغناؤه لقصائد مثل (أنشودة المطر) لبدر شاكر السياب كان مغامرة تفكيكية لقصيدة تفعيلة حديثة فجعل للحن الجزيرة العربية الإمكانية باستيعاب حداثة السياب وصوره السريالية الوعرة .
لقد نجح الخليج في خلق توازن مدهش بين إبقاء روح البداوة الأصيلة (بمعنى الأنفة والعمق) مع الانفتاح على حداثة الصورة الشعرية، وهو ما نراه اليوم مستمرا في تجارب خليجية واعية ترفض سلعنة الفن .
بالانتقال إلى المغرب العربي، نجد أن القصيدة المغناة اتخذت بعدا نفسيا وصوفيا مختلفا تماما ففي تونس والمغرب والجزائر كانت الأغنية الفصيحة تبحث عن الطرب المجرد و كانت تثبت الهوية و الانطلاقة المجتمعية في المعنى ،
فالأغنية المغربية والتونسية حين تقترب من الفصحى تمزجها بالمقامات الأندلسية العتيقة والإيقاعات الأمازيغية والإفريقية مما يمنح القصيدة عمقا ترابيا مغايرا ، و أسماء مثل عبد الهادي بلخياط في المغرب ، أو لطفي بوشناق في تونس ، تعاملوا مع القصيدة كقضية وجودية ، بوشناق على سبيل المثال يغني الفصحى بوعي سياسي وإنساني حاد محولاً الأغنية إلى وثيقة إدانة للواقع وملاذ أخير للحالمين .
ثمة تساؤل سيكولوجي يفرض نفسه على الصالونات الأدبية والإعلاميين (ما الذي تفعله الفصحى المغناة في عقل المستمع العربي؟) فعلم النفس الموسيقي يشير إلى أن الكلمة العامية ترتبط باليومي و المألوف و المعارك الصغيرة التي نخوضها كل يوم (الحب ، الخصام ، العتاب) أما الفصحى فلها (جلال لغوي )يضع المستمع في حالة انفصال مؤقت عن الواقع والدخول في حالة التسامي ،
فعندما يغني كاظم الساهر -الذي شكّل جسرا حداثيا آخر بين القصيدة النزارية والجمهور المعاصر- فإنه يستفز في داخل المستمع العربي (الأنا العليا) العاطفية و نستمع إلى القصيدة المغناة لنزجي الوقت و نستعيد توازننا اللغوي والروحي في عالم بات مشوها بالسرعة والسطحية و المطرب الذي يغني القصيدة يتحول من مؤدٍّ إلى (عرّاب ثقافي)يعيد صياغة الذوق العام ويحمي الذاكرة الجمعية من التحلل .
الوقوف على أطلال الأغنية الفصيحة هو مواجهة نقدية حادة اكثر من ذلك البكاء الرومنسي على زمن مضى و أزمة الفن العربي المعاصر في المعنى فعندما تتخلى الأغنية عن القصيدة ، تفقد بوصلتها الفلسفية وهويتها ، و تتحول من (وثيقة إنسانية) تعيش لعقود ، إلى (سلعة استهلاكية) تنتهي صلاحيتها بعد أسابيع أما التاريخ الفني للشعوب العربية أثبت و رغم كل التشرذم السياسي ، التوحد دائما خلف نوتة موسيقية وصدر بيت شعري فشكلت القصيدة المغناة الفن و كانت الإسمنت الثقافي الذي يربط أجزاء هذه الأمة ، وإذا كان لنا أن نستشرف مستقبل الموسيقى العربية ، فإن العودة إلى جلال الكلمة وعمق القصيدة هو طوق النجاة الوحيد لاستعادة إنسانيتنا وسط ركام الحداثة الزائفة .
فهل من حنجرة جديدة تحافظ للقصيدة على نبضها ، أم أننا سنكتفي بصدى الراحلين؟