الملتقى / شيخة الدريبي
السعودية الشرقي
الحياة تُشبه في جوهرها خريطة جغرافية شاسعة، لا تعرف الاستقامة الدائمة ولا الثبات المستمر. إنها "تضاريس" متعرجة، تجمع بين القمم الشاهقة والأودية السحيقة وبين السهول المنبسطة والمنحدرات الوعرة. هذا التباين ليس مجرد صدفة قدرية، بل هو حكمة ألآهية والجوهر الذي يمنح الوجود معناه وعمقه.وتمثل القمم في تضاريس حياتنا تلك اللحظات التي نصل فيها إلى أهدافنا. مثل لحظة التخرج، او النجاح في مشروع، أو العثور على الحب. في هذه المرتفعات، يكون الهواء نقيًا والرؤية واضحة، ونشعر بانتصار الذات. القمم ليست مكانًا للسكن الدائم، بل هي محطات للاحتفال وإعادة التزود بالوقود لرؤية الأفق لا يمكن الوصول إلى قمة دون المرور بوادٍ من الأودية هي فترات الحزن، الفقد، أو الفشل. هي تلك المساحات المظلمة التي تجبرنا على السير ببطء والحذر من الصخور المتعثرة فالوديان تمثل لحظات الانكسارحينما ينمو النضج وتتشكل الحكمة التي لا يمكن اكتسابها فوق القمم المشمسة.أما السهول فخ الركود أحيانًا تكون الحياة سهلًا ممتدًا لا تحديات كبرى ولا إنجازات عظيمة. هذه هي فترات الروتين والاعتياد. ورغم أنها مريحة، إلا أن الاستمرار فيها طويلًا قد يؤدي إلى ذبول الروح التواقة للتغيير. فكيف تتحرك حينما يتوقف العالم من حولك وكيف نتعامل مع هذه التضاريس؟..
لعبورك تضاريس الحياة بسلام نحتاج إلى حقيبة أدوات نفسية وفكري تخيل أن حياة عبارة عن خط مستقيم أفقي ستكون حياة بلا نبض، كجهاز تخطيط القلب الذي يعلن الوفاة حين يستقيم خطه. التعرج هو دليل الحياة. كما إن النتوءات والخدوش التي تتركها التضاريس على أرواحنا هي ندوب جميلة تحكي قصتنا. فلا تقاس مسيرة الإنسان بالمسافة التي قطعها، بل بالصعاب التي اجتازها ليصل إلى ما هو عليه. تضاريس الحياة ليست عائقًا أمام الوصول، بل هي الطريق نفسه. فبدون الجبال لن نعرف قيمة القمة، وبدون الوديان لن نقدر روعة الصعود. استمتع بالرحلة، فالجمال يكمن في تنوع المشهد، لا في سرعة الوصول في هذه الرحلة نرى كيف تنعكس هذه التضاريس على تكوين الإنسان ليست كل الطرق في الحياة مرسومة بوضوح فهناك منعطفات تأتي دون سابق إنذار. قد يكون قراراً مفاجئاً أو لقاءً عابراً يغير مجرى حياتك بالكامل القدرة على الانعطاف دون الانكسار هي ذروة الذكاء العاطفي. فتمسك بمسارك حين يتغير الطريق قد يؤدي إلى التصادم مع الواقع ففي حياة كل منامساحات تشبه الصحراء فترات يشعر فيها الإنسان بالوحدة أو بجفاف المشاعر وغياب المعنى تعتبر هذه فرصة للتأمل الصامت في الصحراء، يضطر الإنسان للنظر إلى داخله بدلاً من الانشغال بالزحام، وهناك يكتشف منابع قوته الخفية.فالإنسان الناجح هو الذي يجيد قراءة تضاريس حياته ويتعامل معها كخبير خرائط وإدرك ان هذا الحال لن يدوم ولن يستمر، وهذا اليقين يمنحك السكينة في كل الحالات والمرتفعات تجعلك تتخلى عن الأحمال الزائدة سواء كانت ذكريات قاسية اوعلاقات مؤلمة أو قناعات بالية تقيد حركتك. أحياناً ننشغل بالوصول إلى نهاية الطريق لدرجة أننا ننسى الاستمتاع بالمنظر من فوق التل أو بجمال الزهور في السهل.وإن وعورة الطريق هي التي تصقل الأخلاق، فالإنسان الذي عاش في السهول المريحة فقط قد يفتقر الصلابة والصبر فيجد في صعودة العقبات.إن حياتك ليست مجرد "نقطة انطلاق" و"نقطة وصول"، بل هي المغامرة التي تحدث بينهما. تضاريسك هي هويتك وبقدر ما تكون متنوعة وصعبة، بقدر ما تكون قصتك ملهمة وتستحق أن تُروى ..