‏بين السعودية  و لبنان قممٌ تتعانق بلحن الشموخ على إيقاعِ الجبال بين

‏بين السعودية  و لبنان قممٌ تتعانق بلحن الشموخ على إيقاعِ الجبال بين "نماص" السحاب و"بعلبك" الشمس

  • السبت 04 أبريل 2026
  • 08:24 PM


الملتقى / حسن الطفيلي


​خلف حدود الجغرافيا ومسافات الخرائط، ثمة لغة سرية تتحدثها القمم؛ لغةٌ تُكتب بحبر الأصالة، و تُنحت بالأقدام على صخر الأرض، وتُرتل بالحناجر التي صقلها هواء المرتفعات. حين تقف في النماص، حيث يعانق الضبابُ غابات العرعر في جنوب المملكة العربية السعودية، وتنتقل بقلبك إلى بعلبك، حيث تستلقي أعمدة جوبيتر تحت شمس البقاع اللبنانية، ستكتشف أن الجبال تحرس الأرض وأهلها، وتصونُ هويتها عبر فنونٍ شعبية كنبض التاريخ الذي لا يهدأ.
​ففي النماص: رقصةُ السيوف في حضرة الضباب
في النماص، حيث اللحن يتعدى التسلية إلى بيان للرجولة وتوثيقٌ للملحمة. هنا، تسود العرضة الجنوبية المشهد؛ صفوفٌ متراصة كالبنيان المرصوص، وسيوفٌ تلمع تحت رذاذ المطر، وإيقاعاتٌ لطبولٍ توقظ في النفس كبرياءً أزلياً. مجرد رقصة، وهي عرضٌ للقوة والتماسك، حيث يقود الشاعر الجموع بكلماتٍ تُلقى ارتجالاً، تارةً في الفخر وتارةً في الحكمة.

​أما اللعب الشهري، فهو الفن الذي يجمع بين خفة الحركة وعمق الكلمة، بتركيزه على الوتيرة السريعة والتناغم المذهل بين المؤدين. ولا ننسى الخطوة أيضاً، تلك الرقصة الوقورة التي تتمايل فيها الأجساد بهدوءٍ يشبه حركة السحب فوق قمم السروات، لتعبر عن حزنٍ نبيل أو فرحٍ غامر ينسابُ ببطءٍ في وجدان الإنسان التهامي والجبلي.

​أما بعلبك: هيبةُ الدبكة وصمودُ الزجل
وعلى الجانب الآخر من الحلم، في مدينة الشمس بعلبك، تجد الأرضَ تهتز تحت أقدام الدبكة البعلبكية. إنها الرقصة التي تُشبه في عنفوانها شموخ أعمدة القلعة؛ خبطة القدم على الأرض هي إعلانُ صمود، والتشابك بالأيدي هو ميثاقُ بقاء. الدبكة في بعلبك لغة الفلاح الذي يروي أرضه بالعرق، والمقاتل الذي يحرس تخوم الجبل.

​ويكتمل هذا المشهد بالزجل، ذلك الفن القولي الذي يتشابه مع شعر العرضة في النماص من حيث الارتجال والمبارزة الكلامية. في أزقة بعلبك ومهرجاناتها، يتواجه الشعراء بالكلمة، في الميجانا والعتابا، ليرسموا بالصوت لوحاتٍ عن الحب، والأرض، والكرامة. إنه الشعر الذي يسكن البيوت قبل أن يسكن الدواوين.

​ملامحُ اللقاء بين النماص وبعلبك: حيث إنسان الجبل الواحد
رغم تباعد المسافات، يبقى هناك خيطٌ خفي يربط بين النماص وبعلبك. ففي كليهما، نجد الفن الجماعي؛ فلا مكان للفردية في رقصات الجبال. الإنسان هناك يذوب في الجماعة، والقوة تُستمد من تشابك السواعد.
كلاهما يشترك في أدب الكرم، فالفنون هناك غالباً ما تبدأ بالزامل في النماص لاستقبال الضيوف، أو بالترويحة والمواويل في بعلبك للاحتفاء بالزائر. إنها ثقافة الصدر المفتوح التي تترجمها الأهازيج الشعبية قبل أن تترجمها الموائد.

​وبالنهاية حيث العودة إلى الجذور
إن النماص وبعلبك، وإن تباينت في اللهجات وتنوعت في المشاهد، تلتقيان في فلسفة الارتفاع الجغرافي والشموخ الإنساني. فالساكن في القمم يمتلك صوتاً جهوراً، وحركةً واثقة، وروحاً تأبى الانكسار. إن هذه الفنون الشعبية كما هي فولكلورٌ للفرجة، هي أيضاً الهوية التي تُخبرنا من نحن، ومن أين جئنا، وكيف استطاع أجدادنا أن يحولوا صلب الحجر إلى أغنية مجدٍ خالدة.

​حين تزور النماص أو تمشي في فيء قلعة بعلبك، أصغِ جيداً.. فخلف الريح، ثمة طبولٌ تدق، وأقدامٌ تدبك، وقصائدُ تُحكى، لتخبرك أن الجبال وإن صمتت، فإن فنونها تنوبُ عنها في الكلام.

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي